سلفيو تونس من الجهاد المقدّس إلى العَلَم المدنّس.. لحظة تزمّت فقهي أم تنويعات بؤس ثقافي؟
بواسطة admin بتاريخ 13 مارس, 2012 في 07:07 ص | مصنفة في فريق العمل, ملفات وتقارير | التعليقات مغلقة

تونس – خليل الرفيق

هل هم منتوج لحظة تزمّت فقهي بدأت في القرن التاسع وتبلورت في القرن الرابع عشر، وتعاظمت في القرن الثامن عشر، وانفجرت غاضبة في القرن الحادي والعشرين؟ هل هم تنويعات خرجت من واقعة انهيار برج نيويورك سنة 2001، أم هم ضحايا هرسلة الفضائيات وتحريض الدّعاة؟.

هل هم ذوات منعزلة سوسيولوجيا هاجرت ممتثلة الى أفكار من خارج واقعها المخصوص؟ أم تعبير مكثّف عن نقمة شباب مضطهد قادم من نطاقات الفقر والحرمان؟.

السلفيّون… يسند المصطلح في عموميّته الى أتباع نهج السّلف الصّالح… السلفيون الجهاديّون… يسند المصطلح في خصوصيته الى شق أصولي متشدّد ينشد تغيير النظم السياسية القائمة بقوّة الحديد والنار… هم تعبيرات كثيرة، والذي يهمّنا في كلّ ذلك هو مدى البروز العلني لتحرّكاتهم في تونس، داخل أشدّ لحظات انتقالها حساسيّة ودقة.

هم في الحقيقة شيء من كلّ ما قيل، منهم من يكفّر المجتمع ويرفع الجهاد الى مرتبة الصلاة.. ومنهم من يكفّر جزءا منه فيلوذ بالدعوة قبل القتال… ومنهم من لا يعرف أصلا من أين يبدأ، لأنّه لا يعرف أصلا ما هو بصدد فعله.

هم في كلّ الحالات تونسيّون، عرف بعضهم ضيق العيش فبحث عن سعة الروح… وعرف بعضهم مرارة البطالة، فانشغل عن أمور دنياه بصلاح آخرته… منهم من ألقت به زلاّت الشباب وسجون الحقّ العامّ إلى أحضان ما اعتبره توبة نصوحة… منهم أيضا من غادر معتقلات الأميركان بعد أن شارك في حرب أفغانستان… ومنهم من قذف بروحه في أتون الجحيم العراقي، فتلقفته المشنقة.

هم شاؤوا أم أبوا، وشئنا أم أبينا، طيف من مجتمع تتنوّع تلويناته، أو هم بعض ذلك العلم الذي أراد أحدهم تنكيسه ذات خميس في كليّة الآداب بمنوبة.

تربطهم بالسلطة القديمة علاقة عداء مستحكم، وبالسلطة الجديدة علاقة جوار مرجعيّ، وتنافر سياسي.

جزيرة جربة… مدينة سليمان… بلدة الروحية.. بلدة بئر علي بن خليفة… محطّات كانت كافية لإعلان الحضور المسلح… أمّا تأشيرة العمل السياسي، فلا يحفلون بها ولا يسعون في طلبها… إذ لا مكان في قاموسهم لأيّ وثيقة خارج الشريعة.

وقد يكون مجديا بعد حادثة كلية الآداب بمنوبة، أن نحاول استجلاء ماهية هؤلاء الذين خرجوا عن طاعة “الجمهوريّة” لصالح الخلافة… وأفلتوا من ترتيبات الحكومة الحالية وعبثوا بأجندتها… وأثاروا الرّعب في صفوف مريدي الحداثة.

البداية.. الجذور

البداية كانت في الرّبع الأوّل من القرن التاسع للميلاد، تاريخ تأسيس ابن حنبل لأحد المذاهب الفقهيّة الأربعة في الإسلام السنّي… تمحورت دعوة أحمد بن حنبل على عودة كليّة إلى النص المرجعي ـ القرآن والسنّة ـ والسير على نهج السّلف الصّالح.

في القرنين 13 و14 برز أحد أتباع أحمد بن حنبل الراديكاليين، ليعمّق النزعة الأصوليّة، لقد ظهر ابن تيميّة (توفي سنة 1328م) في فترة عصيبة من تاريخ المسلمين، أيّام غزو المغول ونهب بغداد وإسقاط الخلافة… ولم تكن دعوته سوى ضرب من التحصّن بأصول النصّ بواعز شعور أنّ الدّين مهدّد في وجوده.

كثيرون اعتبروا أنّ الأصوليات على جميع أنواعها تبرز في فترات الانهيارات الكبرى، وهذا ما ينطبق أساسا على تلك الحقبة الحارقة، حقبة “الإسلام المفجوع بفقدان الغلبة” على حدّ تعبير المفكّر التونسي عبدالوهاب المؤدّب، في كتابه أوهام الإسلام السياسي.

ابن تيمية.. نقطة الارتكاز

ألّف ابن تيمية في أوائل القرن 14م كتابا بعنوان “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعيّة” صار مرجعا لأبرز حركات الإسلام السياسي في العصر الحديث، وهو في العمق منطلق ومرتكز للتيار السلفي، ويقوم على المبادئ التالية:

ـ تنقية الرسالة المحمّدية من كلّ شائبة، وهو ما يعني القطع أمام ضروب “البدع” والاجتهادات التأويليّة.

ـ تحريم زيارة الأولياء والقبور باعتبارها “من العادات الوثنيّة المكروهة التي تستحق قطع الدّابر”.

ـ رفع الجهاد إلى مرتبة الصّلاة، بل ووضعه فوق الأركان الشرعية الأربعة الأخرى (الشهادتان والصّوم والزكاة والحج).

محمد بن عبدالوهاب.. والدولة السعودية

في القرن 18م، اتخذت الدعوة السلفية الجهادية شكلا سياسيّا مكثّفا على يد محمد بن عبدالوهاب (1703م ـ 1792م) وهو زعيم حركة إسلاميّة قامت في منطقة نجد وسط شبه الجزيرة العربيّة.

تحالف محمد بن عبدالوهاب مع محمّد بن سعود لنشر الدعوة السلفية وخاضوا سلسلة من الغزوات بغية “إقامة دولة التوحيد والعقيدة الصحيحة وتطهير أمّة الإسلام من الشرك”. ويرى الوهابيون أنّهم الفرقة الناجية الوحيدة من النار ومن خالفهم إمّا كافر أو مبتدع ضالّ.

وانتهت هذه الغزوات بقيام الدولة السعودية الأولى التي وصلت إلى دمشق شمالا وعمان جنوبا، قبل أن تندحر على يد جيش إبراهيم ابن محمد علي باشا سنة 1818م.

ثمّ تأسّست الدولة السعودية من جديد في أوائل القرن العشرين على يد عبدالعزيز بن سعود (1902 ـ 1953).

وتعتبر الوهابيّة صيغة أكثر تشدّدا من الحنبليّة كمذهب حتى أنّ كثيرا من علماء السنّة الحنابلة انتقدوها، وفي مقدّمتهم سليمان بن عبدالوهاب الحنبلي (أخو محمّد بن عبدالوهاب) في كتابه “الصّواعق الإلهية في الردّ على الوهابيّة”…ويذهب بعض المفكّرين إلى أن الوهابيّة صيغة أكثر غلوّا وتشدّدا من دعوة ابن تيميّة ذاته، لأنّها شرّعت لاستخدام العنف بشكل غير مسبوق.

محطّات من تاريخ السلفية الجهاديّة في تونس

استنادا الى معطيات قدّمها الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية أحمد النظيف، يمكن أن نقف على بعض المحطّات الدّالة في نشأة وانتشار الحركة السلفية الجهادية بتونس،، علماً بأنّها تستمد سياقاتها السياسيّة من منابت مختلفة كان لها تأثير بدرجة أو بأخرى في توجّهاتها.

إنّها “خليط بين تيارات إسلامية عديدة، فهي تأخذ من فكر سيّد قطب، ومن أفكار السلفية العلميّة في مسائل العقيدة، ومن فكر جماعة الإخوان المسلمين على المستوى الحركي، ومن جماعة تنظيم الجهاد المصري الذي كان من بين مؤسسيه أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة…”.

وبين أهم رموز التيار السلفي الجهادي في العالم نجد محمد المقدسي، وأبو قتادة الفلسطيني وأبو مصعب السّوري، وهم مؤسسو البنى الفكرية التي أفرزت “التنظيمات المسلّحة في أفغانستان وباكستان والشيشان والجزيرة العربية والجزائر، وخلايا جهادية بأوروبا والولايات المتحدة الأميركية”.

بعد أحداث انهيار برجي مركز التجارة العالمي بنيويورك (11 سبتمبر 2001) تمدّدت عروق التيار الجهادي في صفوف الشباب على نطاق عربي واسع: تنظيم عبدالعزيز المقرن في السعودية، والجماعة المقاتلة في اليمن وسوريا، وجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر وجند أسد بن الفرات بمصر وتونس فيما برز تنظيم هلاميّ لا يمتلك آليات تنسيق واضحة ولا عناصر حركيّة معلومة أطلق عليه “تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي”.

وتعود بداية السلفية الجهاديّة في تونس الى ثمانينات القرن الماضي على يد مجموعة من الشباب منهم محمد الأزرق الذي أفتى لهم بالجهاد، ثمّ فرّ الى الحجاز قبل أن يسلّمه النظام السعودي الى الأمن التونسي أواسط الثمانينات حيث حكم عليه بالإعدام.

في أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات توجّه هؤلاء الشباب الى ساحة “الجهاد الأفغاني” حيث حاول بعضهم هناك تشكيل نواة تنظيمية على غرار الليبيين والجزائريين.

ثمّ رحلوا من أفغانستان إلى السودان سنة 1992، ومنها الى البوسنة لقتال الصرب، قبل أن يعودوا من جديد إلى أفغانستان، ويؤسّسوا معسكرا مستقلاّ للسلفيين التونسيين، كان من بين عملياته اغتيال أحمد شاه مسعود عدوّ حركة طالبان بمنطقة “وادي بنشير”.

وأشار الباحث أحمد النظيف الى أنّ “المعسكر التونسي” أسهم بعد أحداث سبتمبر 2001 في “القتال ضدّ القوات الأميركية على خطّ الجبهة في قم وتورا بورا في جبال سلميان غربيّ جلال أباد، وسقط منهم عشرات القتلى”.

ومن المختبرات الأفغانيّة، تتالت محاولات العودة إلى الفعل داخل الساحة التونسية الداخلية، فكانت أحداث أبريل 2002، حيث تم تحميل شاحنة لنقل الغاز بكميّة من المتفجّرات، وتوجيهها الى كنيس “الغريبة” اليهودي بجزيرة جربة.

أسفر الهجوم عن مقتل 14 شخصا منهم 6 سيّاح ألمان و6 تونسيين وسائح فرنسي وجرح ما يزيد عن 30 شخصا.

بعدها أعلن المتحدث باسم تنظيم القاعدة سليمان أبو غيث (23 يونيو 2006) مسؤولية الحركة عن الحادث الذي نفذه شاب تونسي يدعى نزار نوّار (من مواليد 1978) “انتقاما من اليهود بسبب ما يجري للفلسطينيين” تمت محاكمة المورّطين في العمليّة بداية من يناير 2009 ومنهم ألماني من أصل بولندي اعتنق الإسلام اسمه كريستيان جانزاكي، وخالد شيخ محمّد أحد المتهمين في أحداث 11 سبتمبر، ووليد نوار شقيق نزار منفذ العملية.

في 2006 حصلت حادثة سليمان المعروفة حيث دخلت مجموعة من الأشخاص التراب التونسي عبر الحدود الجزائرية مزوّدة برشاشات كلاشينكوف، منهم لسعد ساسي وزهير الزياني ومحمد الهادي بن خليفة والموريتاني محمّد قمام (شهر شكري) وقد قتلوا عند قيام المواجهة المسلحّة مع الأجهزة الأمنية.

وقبل ذلك استطاع لسعد ساسي الذي استقرّ بضاحية حمّام الأنف أن يجنّد عديد الشباب بتونس وسوسة وسيدي بوزيد، تمت محاكمتهم لاحقا، وأغلبهم من ذوي التكوين الجامعي ومنحدرون من عائلات تنتمي الى الطبقة المتوسطة.

وتشير بعض التقارير أنّ معتقلي التنظيم السلفي بموجب قانون الإرهاب الصادر سنة 2003 بلغوا الألفي شاب ٪46 منهم ينحدرون من شمال تونس و٪31 من الوسط، و٪23 من الجنوب.

وبعد ثورة 14 يناير 2011، غادر أبناء التيار السلفي السجن، وعاد عدد من رموزهم من ميادين القتال في العراق وأفغانستان، وأطلق سراح بعضهم من معتقل غوانتانامو الأميركي بكوبا.

ثم اقتحموا مجال العمل السياسي العلني في أجواء ما بعد الثورة، دون أن يسعوا إلى تنظيم هذه العلنية وفق قانون الأحزاب، لأنهم لا يؤمنون بالمؤسسات المنبثقة عن الدساتير الوضعية.

تتالت الأحداث فكانت واقعة مسلّحي الروحية سنة 2011 ومسلحي بئر علي بن خليفة سنة 2012، ودق ناقوس الخطر في اجهزة الحكومة التونسية الناشئة، الحكومة التونسية التي يعدّ أهم مكوّن فيها حزب ذو مرجعية اسلامية هو حركة النهضة.

تعرضت النهضة الى احراجات فعلية، بسبب ما أحدثه السلفيون من تشويش على أول عهدها بمباشرة السلطة، وزادت هذه الاحراجات عبر تحركات مكثفة قام بها التيار السلفي في المساجد والمدارس والجامعات، كان آخرها أحداث كلية الآداب بمنوبة.

الجامعة… مختبر الدعوة السلفية

كانت حادثة “تنكيس العلم” يوم الأربعاء 7 مارس 2012 بكلية الآداب بمنوبة، بمثابة خطوة تصعيدية شديدة الانفعالية عمد إليها أحد السلفيين.

وقد سبقت هذه الخطوة محطات من العنف في ذات الكلية وأخرى بجامعة سوسة، كانت كلها تتمحور حول “الطلبات المنتقبات” و”حقهن” في إجراء الامتحانات دون الكشف عن وجوههن.

جاءت حادثة منوبة لتكون مؤشر انقسام واضح بين مكوّنات المجتمع المدني والسياسي: أطراف تدعو الى الحزم الشديد في تطبيق القانون، وسلطة تتعاطى بشيء من المرونة مع الظاهرة السلفية من دون ان تنكر خطورة ممارساتها الحالية.

اتهم “الحداثيون” بكل ألوان طيفهم الحكومة بالتخاذل في ردع العنف السلفي.

ووشح المعارضون مقاعدهم بالعلم الوطني في اول جلسة للمجلس التأسيسي بعد حادثة منوبة.

وعاد الحديث بصوت مسموع عن مآل المكاسب المدنية في زمن “صحوة اسلامية” صعد جزء منها الى السلطة في إطار انتخابات ديمقراطية، وانتشر جزء آخر منها في الشوارع والمؤسسات، في إطار دعوة أصولية تكفيرية من الواضح انها لم تعد تلك “الظاهرة المعزولة” بعد ان انتشرت في صفوف عدد من الشباب.

ليست الجامعة في النهاية سوى وضعية دالّة على صورة مجتمع، هيمن عليها الشيوعيون في سبعينات القرن الماضي في مناخ أزمة اقتصادية خانقة.

واقتحمها الإسلاميون خلال الثمانينات في مناخ أزمة سياسية مستفحلة.

وانبثق من داخلها سلفيّو العشرية الثانية من القرن 21 في مناخ انفلات امني واضطراب عام أنتجه حراك ما بعد الثورة.

قد تكون الجامعة محرارا لقياس اللحظة الراهنة، في بلد هو مدار صراع بين بدائل تتنافر شكلا وجوهرا: طيف مدني ينشد حرية على نمط العلمنة والتحديث، وطيف اسلامي ينشد تطويع المعنى المدني للمقولات الدينية، وطيف أصولي ينشد العودة الى التطبيق الحرفي للشريعة، في اكثر سياقاتها ماضوية، وفي أكثر وجوهها تطابقا مع النص التأسيسي الأول.

أما العنف، فلا يمكن القول انه وليد لحظتنا الراهنة، ففي تاريخ الجامعة- أيا كان التيار المهيمن داخلها- محطات من المواجهات الدامية بين الإطراف الطلابية.

غير انه اتخذ في هذه الفترة شكله الأكثر ضراوة، والأدهى والأمر أن هذه الجامعة فقدت تدريجيا قدرتها على”التحصين الذاتي” نتيجة غياب النقاشات الفكرية وحضور النزعة الشعاراتية الفجّة.

لقد عمدت التيارات السياسية الى تكوين اذرع طلابية تحقق امتدادها في الشارع من دون ان تمكنها من أدوات الفهم والتحليل والفرز ومن سلاح المعرفة السياسية وهو ما حوّل الفضاء الجامعي إلى حلبة استنساخ للصراعات الدائرة خارج مجال الخصوصي.

إن فهم السلفية كظاهرة اجتماعية وسياسية يمر حتما عبر إدراك مدى التخبط الذي يعيشه الشباب داخل مساحة فراغ معرفي قاتل يدرأ كل باب للإبداع والاجتهاد.

وهذا ما يقودنا تحديدا الى طرح المعالجات خارج إطار الحل التصادمي الفج. فكل معالجة أمنية صارمة او تصادمية ستفرز مزيدا من الذوات الانتقامية. وكل تراخ في المواجهة سيفرز سقوط ساحات جديدة في قبضة العنف الأصولي.

وعليه فإن الضرورة تقتضي الملائمة بين اليقظة التامة في رصد الظاهرة وبين النجاعة التامة في الحد من جموحها عبر نشر الوعي المدني واعادة الاعتبار للعقل والمعرفة داخل المؤسسات التعليمة.

هذا إضافة الى ترشيد فضاءات الخطاب الديني عبر تشجيع الرموز الفكرية ذات الدراية العلمية والمقاربات العقلانية للشأن الإسلامي.

فدون إيجاد فضاء ثقافي إعلامي مضاد لقنوات التحريض المذهبي يظل اي جهد لدرء التطرف مجرد معالجة سطحية لا تنفذ الى عمق الإشكال.

الجغرافيا الغائبة عن الذهني الأصولي

كثيرون قرأوا حادثة الشاب الذي ابدل العلم التونسي بعلم الخلافة على انه ضرب من “الخيانة الوطنية” وقد تكون اللحظة الصادمة هي التي كونت لديهم هذا الشعور بالامتعاض او ذلك الإحساس بجسامة التعدي على الرمز.

أما اذا قرأنا سلوك هذا الشاب خارج مدلوله الظاهر فإننا سنعثر داخله على موقف إيديولوجي مخصوص يرفض التعامل مع الرمز في دلالته الجغرافية المحدّدة وحدوده المعلومة.

إن للأصولية الجهادية التي ينتمي إليها هذا الشباب مفهوم مجرد من كل معنى محلي.

هو يعيش على حد تعبير اوليفي لوروا في كتاب “عولمة الإسلام” داخل جغرافيا حالمة تقع خارج حدود تفرقات اللغة والهويّة.

انه شعور يتجاوز حدود الأمة القومية ويهاجر افتراضيا إلى كل نقطة تصل اليها العقيدة والعلم الذي رفعه على سطح الجامعة هو في الجوهر رمز يشترك فيه مع التونسي والاندونيسي والفيتنامي المسلم والألماني المسلم والأميركي المسلم الكل عنده سواء.

هو يعيش فعلا داخل امة رسمها خياله الإيماني وداخل وطن لا تتسع له حدود مجتمع الإقامة وثمة في ذهنه ثنائية تحدد الوطن هي ديار الإيمان وديار الكفر.

والسلفيون هم بهذا المعنى أمميون بمعايير دينية غير ان أمميتهم أضيق بكثير من البعد الكوني لأنها تدخل في سياق الانتماء المذهبي دون سواه.

احتكارات خمسة

هذا الشباب السلفي هو في النهاية تجسيم لنزعة تتأسس على احتكارات خمسة:

ـ احتكار العقيدة الدينية واستعمالها وتوظيفها.

ـ احتكار الحقيقة وإلغاء الآخر وتكفيره.

ـ احتكار القرار السياسي استنادا الى الحقّ الإلهي.

ـ احتكار فكرة المقاومة ـ استبطان شخصية المدافع الحصري عن الدين.

ـ احتكار الفكر والقضاء على التنوع الثقافي.

إنها كما نرى تصورات مضمرة داخل ذوات منعزلة سوسيولوجيا، تعتقد ان الصواب كامن فقط داخل قناعاتها الإيمانية، ولا يصحّ في حالة الشاب المذكور الذي قام بإبدال العلم، أن يتحول الأمر الى مجال للتأثيم المطلق، بقدر ما يجب النظر الى المسألة في دلالتها العامة علما وانّ هذه الحادثة كشفت من جديد عن نزوع الى الاستعراض السياسوي، والبروبغندا على أنقاض مشكلة وطنية مجتمعية تتجاوز في عمقها لعبة الأحزاب.

الكلّ يخاطب كلية منوبة بلغة العلم المفدّى ويتقد حماسا في الدفاع عن حماه، لكنّه في الواقع يتوجه برسائله الى قصور ثلاثة في باردو والقصبة وقرطاج والى أحزاب ثلاثة (نهضة/ تكتل / مؤتمر)، مترصدا اي انفلات او حدث طارئ لإعادة توزيع الأوراق.

هذا واقع لا تنفيه التوظيفات الحصالة غير انه لا يبرر في مطلق الأحوال غياب الدولة او تراخيها عما يحصل من انفلاتات خطيرة.. فغالبا ما يقع هتك القانون عند غياب السلطة او عند ملاحظة ضعفها وهشاشتها.

نحن إزاء راهن معقد يستوجب معالجات عقلانية واضحة، ومرجعيات تدخل واضحة، وآليات إنقاذ ناجعة.. ونحن أيضا إزاء ضرورة ملحة لاستجماع مخزوننا الثقافي المستنير، حتى نخوض مواجهة فكرية مفتوحة مع التعبيرات المتطرفة، ذات المنحى الأصولي السلفي أو غيره.

وعلى ذلك، يظل من المنطقي أن ينتج مناخ الحرية الجديد، ظواهر تبرز الى العلن بشكل صادم، بعد أن نامت عقودا في مجاهل السرية، ظواهر قد تكون صادمة في شكلها العنيف وجوهرها الانفعالي، لكنها ستكون في كل الحالات مؤشرا للتفكير الجدي في تجاوز حالة البؤس الثقافي الذي نعيش.

نبذة عن admin -

التعليقات مغلقة.

مكتب مفوضية كندا، ندوة تثقيفية، الانتخابات العراقية، سكاربورو المفوضية، العليا، الانتخابات، العراق، الحملات، الانتخابية المرجعية، الدينية، العليا، التعايش، السلمي، الكراهية، البغضاء روسيا مجلس الوزراء، العراقي، جلسة، الاعتيادية، العبادي مجلس الوزراء، العراقي، مشروع، قانون، الحرس الوطني الشرطة التركية، الغاز المسيل للدموع، خراطيم المياه، المتظاهرين، إسطنبول، مفوض حقوق الانسان، مجلس اوربا الاتحاد الأوربي، عقوبات، روسيا وزير الخارجية، الكندي، بغداد المالكي، العراق تأجيل، محاكمة مبارك، القصور الرئاسية، الدراسة، المنشآت التعليمية اشتباكات، أنصار، الرئيس المصري المعزول، معارضيه، القاهرة، محافظات زيارة، وفد قنصلي، السفارة العراقية، تورنتو، انجاز المعاملات قطر المرجعية، الدينية، العليا، الالتزام ، مستحقات، الحشد الشعبي، تكريم، شهدائه المرجعية، الدينية، العليا، المتصدين، المسؤولية،مراقبه، الحسنات، الاموال المرجعية، الدينية، العليا، الزائرين، كربلاء، مصير، العراق، المنطقة المرجعية، الدينية، العليا، دعم، المقاتلين، معنوياً، مادياً، إعلامياً غوغل، يحتفل، اليوم، العالمي، المرأة العراق، سعر، خام، البصرة، آسيا ممثل، المرجعيّةُ، الدينيّةُ، العُليا، نصائح، ارشادات، القادة، الاداريين دي ميستورا، استئناف، المفاوضات، السورية، جنيف المرجعية، الدينية، العليا، السياسيين، الخلافات، الازمة المرجعية، الدينية، العليا، توصيات، الحشد الشعبي، تدين، قتل، المصريين، الاقباط، داعش العبادي، اجتماع، لجنة، الطاقة، الوزارية المرجعية، الدينية، العليا، الاصلاحات، تفرد سوريا الفيفا، نقل، مباراة، السعودية، فلسطين