الجعفريّ من القاهرة: لن نسمح بأن تكون أرضنا ميداناً لصراع إرادات إقليميَّة أو دوليّة
بواسطة admin بتاريخ 13 سبتمبر, 2018 في 05:05 ص | مصنفة في الشرق الأوسط, فيديو, ملفات وتقارير | التعليقات مغلقة

لن نسمح بأن تكون أرضنا ميداناً لصراع إرادات إقليميَّة أو دوليّة

(حصري) – القاهرة

اكد وزير الخارجية العراقي ابراهيم الجعفري، اليوم الخميس، على ان العراقيين اصحاب قيم ويحمون المواطنين القاطنين على أرضهم من مختلف الجنسيات من دون استثناء، مشددا على عدم السماح بأن تتحول الأراضي العراقية ميداناً لصراع إرادات إقليمية أو دولية.

وقال الجعفري خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة المصرية القاهرة، على هامش اجتماعات الدورة الـ 150 لمجلس جامعة الدول العربيَّة على المستوى الوزاري “نأمل أن يشكل مؤتمر القمة العربي على مستوى وزراء الخارجية العرب، خطوة ناجحة على طريق الصعود على سلم المجد والتكامل، لتحظى القمة العربية بموقعها الذي يتناسب مع قدر الأُمّة العربيَّة، ولا تبقى تُراوِح”.

وعن سؤال حول تأخر تشكيل الحكومة الجديدة، ومدى تأثير الأطراف الإقليميَّة والدوليَّة في تشكيلها، اوضح الجعفري “كل التجارب في الدورات السابقة أخذت وقتاً ، وإلى الآن لم نتجاوز التواريخ، وفي الوقت نفسه هذه ضريبة الديمقراطية، والتشاور بين الكتل المعنية لتشكيل الكتلة الأكبر”.

واضاف “طبيعة التنوع السياسي في العراق تقتضي أن نُعطيها الوقت، والجهد الكافي حتى تتشكـل الحكومة على قاعدة الانسجام خصوصاً في أمَّهات المطالب، ولا تأتي وهي تتعثر في أوَّل طريقها، فإلى الآن لا أظن أنَّنا تجاوزنا الوقت”.

وعما جرى تناقله بشأن حصول مشادات كلامية بين الجعفري ورئيس الوفد السعودي، في اجتماع يوم أمس، قال “لم يكن في نيتي إثارة هذه الدولة أو تلك، لكني استشهدت بآية قرآنية وأشرتُ إلى اليمن، وليس من المفروض أن يتأثر أحد”.

واضاف “عندما علق (رئيس الوفد السعودي) كنتُ خارج القاعة .. على كل حال أنا لم أُرِدْ أن أتجرَّأ عليه، ولم أعرف بالضبط كلَّ كلامه، لكني سمعتُ أنه انتقد، فحصرتُ نقدي بفقرة مُحدَّدة، وأجبتُ عنها، وهو كان موجوداً في القاعة، وقلتُ: الذي لديه شيء الآن يُبيِّنه”.

وعن التدخل الإيراني في العراق، وخاصة القصف الذي حدث، قال الجعفري “نحن نرفض هذا مثلما رفضناه سابقاً من تركيا عندما اقتحمت الحُدُود العراقـيَّة، ودخلت إلى عمق 110 كيلومترات إلى منطقة بعشيقة، وكان موقفنا، ومقياسنا واحداً لا نُفرِّق بين دولة وأخرى”.

وعن موعد عودة العراق إلى الدور العربي المؤثر بما يتناسب مع حجمه، وشكل العلاقات مع الحكومة المقبلة، اكد الجعفريّ “العراق قويّ بتاريخه بحضارته بثرواته المتعددة بشعبه المتنوع بانسجامه مع مُجمَل مُكوِّنات هذا الشعب”.

واشار الى، “ان منطق الجُيُوش هو منطق استثنائيّ يُمكِن أن يُستخدَم عندما يتعرَّض البلد لاعتداء .. العراق لا يُقِيم فلسفته في الدولة على قاعدة الجيش والقوى العسكريَّة، قوة العراق تُستمَدُّ من قِيَمِه الحضاريَّة، وبنيته الاجتماعيَّة”.

واكد الجعفري “قُوَّة العراق بأمنه بسلامه بحضارته بثقافته يتميَّز العراق بأنـَّه يملك مِنصَّات، ومسلات حضاريَّة، وثقافيَّة تُؤهِّله لأن يُحاوِر الآخر.. كلُّ الخير في رحم الحوار، ورحم الثقافة”.

ولفت الى ، “ان قوة العراق ليست في كوننا الجيش الثالث، الدول التي كانت قويَّة بجُيُوشها جرَّت الوبال على بلدانها، وعلى بلدان العالم، لأنـَّها تحدَّثت بمنطق البندقيَّة، ونحن نتحدَّث بمنطق القلم”.

وعن العلاقات العراقية المصرية، بين الجعفري واشار الى “ان هناك اتِّساعاً في الجانب الاقتصاديِّ، وتبادلاً في المصالح الاقتصاديَّة بيننا ، ونأمل أن ترتفع الوتيرة أكثر، فضلا عن السياحة وتردُّد وُفُود العراقـيِّين إلى مصر، ويوم امس تحدَّثنا مع وزير الخارجية المصري سامح شكري عن أن يزيد العدد ، ويُسهِّلوا عمليَّة منح الفيزا ، بل طالبناهم برفع الفيزا عن الجوازات الدبلوماسيَّة والخدمة”.

واعلن الجعفري “نحن بصدد تذليل العقبات حتى نهيِّئ أكبر فرصة مُمكِنة أمام المُواطِنين من كلا البلدين لأن يتردَّدوا على البلد الآخر”.

وعن العلاقة بين بغداد وأربيل ، بعد قرابة عام من إجراء استفتاء الانفصال ، قال الجعفريّ “العلاقة كانت جيِّدة ومازالت، انتابها بعض التلكؤ عندما طالبت القيادة الكرديَّة المحليَّة بإجراء الاستفتاء والذي قد يُفضي إلى الانفصال عن العراق، وهذا يُخالِف الدستور الذي نصَّت المادَّة رقم واحد منه على أنَّ العراق دولة ذات سيادة مُوحَّدة في أرضه، وشعبه، وكلِّ شيء”.

واضاف “أنا شاكر للإجماع العربيِّ الذي وقف إلى جانبنا في مسألة التحفظ على الاستفتاء ، ووقفت معنا دول العالم كلها بنفس الاتجاه، ونحن لا نختزل الشعب الكرديَّ بخطوة سياسيَّة مُعيَّنة”.

وعن بيان البيت الأبيض حول تحميل المسؤوليَّة الكاملة لإيران عن سلامة الاميركيين في العراق، قال الجعفري “العراق لديه قوات أمنيَّة على الأرض، وقد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أنـَّها في الوقت الذي عجزت كثير من دول العالم على أن تُلحِق الهزيمة بـ(داعش) قد ألحقت قواتنا الهزيمة بـ(داعش)”.

واكد “لا نحتاج لأن يُدافِع عن أمننا أحد، ونعدُّ أيَّ اعتداء على أيِّ مُواطِن بأرضنا اعتداءً على العراقيِّ نفسه، لذا يجب أن تعرف إدارة ترامب أنَّ العراقيِين أصحاب قِيَم ويحمون المُواطِنين القاطنين على أرضهم من دول العالم كافة من دون استثناء، بلا تواطؤ مع أحد، ولا خوف من أحد”.

وشدد الجعفري “لن نسمح بأن تكون أرضنا ميداناً لصراع إرادات إقليميَّة، أو دوليّة .. نحن نحمي مُواطِني الدول التي نسمح لها بفتح سفارات، أو قنصليَّات، نحمي السفارة الأميركيَّة من أيِّ اعتداء، وعندما تعرَّضت القنصليَّة الإيرانيَّة لاعتداء من بعض المشبوهين قلنا نفس الجواب”.

واضاف “مقياسنا واحد ، وعندما نجد أنَّ هذه الدولة أو هذا المُواطِن أو هذا السفير أو هذا القنصل غير مرضيّ عنه نُبلِغه بصريح العبارة، ولا نسمح لأحد أن يتدخل في شُؤُوننا. وإذا ثمة مشاكل بين الدول فنحن لا نتدخَّل، ولا نريد أن نجعل العراق ساحة لتقاطع الإرادات الإقليميَّة، والدوليَّة على حساب سيادتنا، ومُواطِنينا، وضُيُوفنا حتى من بلدانهم”.

وعن الدول العربية والغربية التي أعلنت وقوفها مع العراق في مجال إعادة الإعمار، قال “في مؤتمر الكويت تم الاعلان عن تخصيص 30 مليار دولار للإعمار والبناء .. نعم هي سُلَف، لكن بحدِّ ذاتها كانت تحمل تعبيراً عن حشد دوليّ رائع جدّاً، وكلهم أشادوا بالعراق شعباً، وتجربة، وقوات مسلحة؛ وهذا يُشكـِّل دعماً معنويّاً رائعاً جدّاً”.

واضاف “نحن نتواصل في البحث عن كلِّ ما من شأنه تقوية الاقتصاد العراقيِّ ليتغلّب على عقباته. العراق بلد غنيّ ومُتعدِّد الموارد ولكن يمرّ في ظرف استثنائيّ، بسبب تدهُور العملة وهبوط أسعار النفط في السوق العالميَّة، وتكاليف الحرب على (داعش) مما تسبَّب بانخفاض المُوازَنة”.

وعن الدور الحكومي في أزمة البصرة، قال الجعفريّ “في مثل هذا الهيجان ضدَّ ظواهر الفساد، والمطالب المشروعة التي يطلبها من الطبيعيِّ أن تحدث بعض الاختراقات، وقد حدثت بعضها، وسرعان ما انتفض عليها أهل البصرة، وأغلقوا الطريق أمامهم”.

واضاف “نحن لا نختزل البصرة ببعض المُمارَسات التي يرفضها أهلها من حرق، أو – لا سمح الله – الاعتداء على بعض الشخصيَّات، لكنَّ المطالب العامَّة مطالب مشروعة، ونحن مع أهل البصرة”.

واشار الى “ان العبادي زار البصرة، ووقف عن بعض الملفات التي طالبَ بها البصريُّون، ووَعَدَ بحلـِّها”، متمنيا “أن تتحقق هذه المطالب كلـُّها، كما أعتقد أن بقـيَّة المحافظات التي أبدت عدم ارتياحها من بعض مظاهر الفساد يجب أن تُعالَج بالردِّ الطبيعيِّ”.

وفيما يتعلق بحرب المياه، اوضح الجعفري “ان حرب المياه ستؤدي دوراً مُهمّاً في تغيير خارطة العالم، والنيل ليس مصريَّ المنبع، بل مصريَّ الاجتياز، وكذا دجلة ليس عراقيَّ المنبع، بل عراقيَّ الاجتياز.. وهناك من يُضمِرون السوء لبلداننا، وينوون مُحاصَرتها بالمياه”.

وقال “لذا ناشدت في الاجتماع بأنَّ العراق لم يأخذ حِصَصه المائيَّة، وعلى الدول العربيَّة أن تقف إلى جانبنا، وتُطالِب تركيا بأن يُعطوا العراق حقه، لكن لم تتخذ الجامعة العربيَّة قراراً بهذا”.

نص المُؤتمَر الصحفيّ للدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيَّة العراقـيَّة على هامش اجتماعات الدورة الـ150 لمجلس جامعة الدول العربيَّة على المُستوى الوزاريِّ في القاهرة

الجعفريّ: بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته…

فرصة طيِّبة أن ألتقيكم.. كما تعوَّدت في لقاءاتي السابقة أن نلتقي هنا في القاهرة حاضنة الثقافة، والفكر، والكتاب، والدراما، والكوميديا، وكلِّ ما من شأنه أن يبثَّ الحياة في مرافقها المُختلِفة.. رُبَّما يكون من المُناسِب أن أستهلَّ حديثي معكم باعتبار كان اللقاء لقاءً للجامعة العربيَّة على مُستوى وزراء الخارجيَّة العرب، وكنتُ سعيداً بهذه المُشارَكة، كما تفاعلت مع شقيقاتها من اللقاءات السابقة، وعلـَّقتُ، ولم أزل آمالاً عريضة على مُؤتمَرات القِمَّة أن تنهض بواقع أمَّتنا من حيث هي إلى حيث يجب أن تكون؛ لأنَّ قدر الأمَّة العربيَّة ليس هذا القدر الآن، بل قدرها أكبر بكثير.. حباها الله بنِعَمٍ كثيرة، وثروات طائلة، ومُتنوِّعة، وحباها كذلك بموقع ستراتيجيّ، وتاريخ عميق وعريق، وحضارة موروثة سابقة، وحتى الآن تملك مُقوِّمات النُهُوض، ويُفترَض بالمارد العربيِّ أن يُطِلَّ مرَّة أخرى بقامته على حضارات العالم، ويُبرهِن كما برهن آجدادنا وآباؤنا بتعاملهم الإنسانيِّ مع حضارات الناس كافة، ويوم انبعث ديننا الحنيف في منطقتنا انتشرت بانتشاره القِيَم، والمَحبَّة، والأخوَّة، ولم ينتشر الإرهاب.

مُؤتمَر القِمَّة العربيّ على مُستوى وزراء الخارجيَّة العرب، وأحسب أنـَّكم قد واكبتموه من كثب، ورأيتم، وسمعتم الخطب، والكلمات التي ألقِيَت من على منبر الجامعة العربيَّة كان للعراق دور بأن يُلقِي كلمته، ويُؤشِّر على أمَّهات المطالب، والهُمُوم، والطموحات التي يسعى إلى تحقيقها.. كان في مُقدّمتها القضيَّة الفلسطينيَّة، وقد أشرنا إليها بكلِّ صراحة في كلمتنا، كما أشرنا إلى مُشكِلة اليمن، وضرورة حقن الدم اليمنيِّ الذي يُهدَر بلا مُسوِّغ، وكذا أشرنا إلى الصومال، والكثير من الملفات الساخنة، ووجدنا تفهُّماً مُمتازاً من أشقائنا العرب.

نأمل أن يُشكـِّل خطوة ناجحة على طريق الصعود على سُلـَّم المجد، والتكامل؛ وحتى تحظى القِمَّة العربيَّة بموقعها الذي يتناسب مع قدر الأُمّة العربيَّة، ولا تبقى تُراوِح.

أمَّا عن علاقتي بكم كإعلاميِّين فهي علاقة وطيدة.. هناك بعض الوُجُوه سبق أن التقيتها في مُؤتمَرات صحفيَّة سابقة، وأكنُّ لها كلَّ التقدير، وأحسب أنـَّكم تتذكـَّرون اللقاءات السابقة هنا، وإن كانت بعض الوُجُوه لم أرَها في هذا اللقاء، لكنَّ هذا اللقاء المُوسَّع من شأنه أن يُثرِي.. لسنا طرفين، ولسنا أطرافاً مُتناوِئة..

الإعلاميُّ يُكمِّل السياسيَّ، والسياسيُّ يُكمِّل الإعلاميَّ، فننتظر منكم ما تجود به قرائحكم من أسئلة تُشكـِّل بوارق أمل، وومضات ثقة بالمُستقبَل؛ حتى نتهجَّى طريق الصعود.

مصطلح السلطة الرابعة كما ذكـَّرنا بها السيِّد حبيب الصدر سفيرنا في القاهرة أنا لا أشكُّ أنه سلطة، ورابعة، ولكن ليس -بالضرورة- سلطة رابعة دائماً، فقد يكون في بعض مقاطع الزمن سلطة أولى، والحكومة سلطة ثانية، والقضاء سلطة ثالثة، والبرلمان سلطة رابعة، وقد يكون في مقطع ثانٍ من الزمن سلطة ثانية، وثالثة. فوصفها بالرابعة يعني دائماً تأتي بالمرتبة الرابعة، وأنا لا أقِرُّ ذلك.

الوقت لكم مفتوح في أن تسألوا، وتتحدَّثوا، ونحن سويَّة بغضِّ النظر عن فرق العمر نتحدَّث كإخوة، وأصدقاء لا فرق عندي بينكم.

جريدة الأهرام: لماذا يتمّ تأخير تشكيل الحكومة الجديدة في العراق، وما تأثير الأطراف الإقليميَّة، والدوليَّة في تشكيلها؟
الجعفريّ: كلُّ التجارب في الدورات السابقة أخذت وقتاً، وإلى الآن لم نتجاوز التواريخ، وفي الوقت نفسه هذه ضريبة الديمقراطيَّة، والتشاور بين الكتل المعنيَّة لتشكيل الكتلة الأكبر.

الدستور العراقيّ يمنح الكتلة الأكبر حقَّ التصدِّي لرئاسة الوزراء، وعندما تتشكـَّل الكتلة الأكبر في البرلمان يتحدَّد منها مُمثـِّل الكتلة الذي تُرشـِّحه للتصدِّي لرئاسة الوزراء.. هذا هو الدستور العراقيُّ.. نعم، رئيس الجمهوريَّة يُنتَخبُ بغالبيَّة الثلثين في البرلمان، أمَّا رئيس الوزراء فيُعيَّن من قِبَل رئيس الجمهوريَّة، ثم يجري التصويت على رئيس الوزراء، ولكن إذا ما صوَّت البرلمان عليه، فتلقائيّاً يتمُّ اختيار غيره.. فنحن إلى الآن مازلنا ضمن الوقت المسموح به، ولم نتجاوز الأوقات المُحدَّدة دستوريّاً.

تبقى طبيعة التنوُّع السياسيِّ الموجود في العراق تقتضي أن نُعطيها الوقت، والجهد الكافي حتى تتشكـَّل الحكومة على قاعدة الانسجام خُصُوصاً في أمَّهات المطالب، ولا تأتي وهي تتعثـَّر في أوَّل طريقها.. فإلى الآن لا أظنُّ أنَّنا تجاوزنا الوقت، ولانزال نتحرَّك ضمن الوقت المسموح به دستوريّاً.

قناة العراقـيَّة: في اجتماع يوم أمس لمسنا في كلمة معاليك نوعاً من العتب، ودعوة إلى التكامل العربيِّ، ومُغادَرة الخلافات.. في الجانب الآخر هناك إساءة لفهم الموقف العراقيّ.. كانت هناك مُداخَلات مع رئيس الوفد السعوديِّ فيما يخصُّ اليمن، وكان الصحفيُّون ينقلون بأنَّ هناك مُشادَّات، وخلافات بين الوزير الجعفريِّ ورئيس الوفد السعوديّ؟
الجعفريّ: خطاب البارحة كان مُرتَجلاً عفويّاً.. على الطبيعة، تصفـَّحت في ملفات الأمَّة العربيَّة إقليماً إقليماً جُهد الإمكان، وبالقدر الذي اتَّسع له الوقت، ولم يكن في نيتي إثارة هذه الدولة، أو تلك الدولة، وعندما أجد ضرورة فأنا أصارح الدولة التي أنتقدها، ولن أتردَّد في ذلك، لكنـِّي استشهدتُ بآية قرآنيَّة كريمة، وأشرتُ إلى اليمن، وحرَّكتُ فيهم مكامن القوة بتاريخ اليمن، وكيف أنَّ اليمن قدَّمت نموذجاً، ومنذ ذلك الحين امرأة تتصدَّى لقيادة دولة بالحكمة المعروفة، وهي بلقيس ملكة سبأ، وفي الوقت الذي الكثير من الرؤساء يتملـَّكهم الغرور عندما يُشِير عليهم مُستشاروهم بأنَّ لديك قوة، وكفاءة، وما شاكل ذلك تمتـَّعت بلقيس بتواضع رائع جدّاً.. أنا أخذتُ هذا الجانب، ولم آخذ شيئاً آخر، وعندما أجد من الضرورة أن أدين موقف أيِّ دولة أقولها بملء فمي، ولن أتردَّد في ذلك، لكني ما قصدتُ: ((إنَّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزَّة أهلها أذلة)) هذا نصّ قرآنيّ كريم مُقدَّس فوق كلِّ النقود، وفوق كلِّ الاختلافات.. ليس مفروضاً أن يتأثر أحد، وإذا كانت كلمة “ملك” تُحمَل على ملك مُعيَّن فاسألني عن قصدي.. وأنا لم أقصد أحداً لا خوفاً من أحد، ولا طمعاً بأحد، وأنما استشهدتُ، وجئتُ باسم ملك على لسان الرسول -ص- عندما ضاقت بهم مكَّة بما رحبت، واتسعت لهم الحبشة، فقال لهم: “اذهبوا إلى الحبشة فإنَّ فيها ملكاً لا يُظلَم عنده أحد”. هذا مدح للملك.

لماذا لا تأخذ كلمة المدح، وتأخذ كلمة الذم؟

أنا لا أقصد بالمدح أن أغازل ملكاً ما، ولا أقصد بالذم أن أسيء إلى ملك ما.

عندما علـَّق كنتُ خارج القاعة.. على كلِّ حال أنا لم أُرِدْ أن أتجرَّأ عليه، ولم أعرف بالضبط كلَّ كلامه، لكني سمعتُ أنـَّه انتقد، فحصرتُ نقدي بفقرة مُحدَّدة، وأجبتُ عنها، وهو كان موجوداً في القاعة، وقلتُ: الذي لديه شيء الآن يُبيِّنه.

الحقيقة بنت الحوار، وبنت الجدل.. فأنا كنتُ سعيداً بما حدث البارحة، ويُؤسِفني أن أحداً يُسيء الظنَّ بي بهذه الدرجة، لكن -على كلِّ حال- قد يجتهد الإنسان فيُصيب، وقد يُخطئ.

صحيفة الزمان: ما رأي سيادتكم بموضوع التدخـُّل الإيرانيِّ في العراق، وخاصَّة القصف الذي حدث، وتكرَّر على الأراضي العراقـيَّة؟
الجعفريّ: بخُصُوص القصف الذي تعرَّض له العراق رفضناه، وبادرت الخارجيَّة العراقـيَّة في الساعات الأولى إن لم تكن في الدقائق الأولى بإصدار بيان مفاده الرفض لمثل هذه المُمارَسة، وأبلغت السفارة الإيرانيَّة بهذا المعنى: بأنَّ العراق لم ولن يسمح بالتجاوز على سيادته سواء كانت السيادة مُمثـَّلة بالأرض، أم الإنسان، أم الثروة الاقتصاديَّة، أم أيِّ شيء آخر.

نحن نرفض هذا مثلما رفضناه سابقاً من تركيا عندما اقتحمت الحُدُود العراقـيَّة، ودخلت إلى عمق 110 كيلومترات إلى منطقة بعشيقة، وكان موقفنا، ومقايسنا واحداً لا نُفرِّق بين دولة وأخرى.

عندما نحترم، ونُقدِّر، ونُبادِل المواقف الإيجابيَّة نُبادِلها بمقياس واحد من دون تفريق بين دولة وأخرى إلا بمقدار ما تُحسِن، أو تُسِيء دولة عن دولة أخرى.

الشُؤُون العربيَّة المصريَّة: متى يعود العراق إلى الدور العربيِّ المُؤثـِّر بما يتناسب مع حجمه، وهو من أقوى ثلاثة جُيُوش عربيَّة، وما شكل العلاقات مع الحكومة المقبلة؟
الجعفريّ: العراق قويّ ليس فقط بحُدُود حكومة العراق -الدولة أكبر من الحكومة- العراق قويّ بتاريخه.. بحضارته.. بثرواته المُتعدِّدة.. بشعبه المُتنوِّع.. بانسجامه مع مُجمَل مُكوِّنات هذا الشعب.

العراق ليس أكبر بلد في العالم، ولكن من أكثر بلدان العالم تنوُّعاً دينيّاً، ومذهبيّاً، وقوميّاً، وسياسيّاً؛ لذا أضفى عليه بُعداً حضاريّاً رائعاً، إذ يُجِيد فنَّ التعامُل مع الآخرين؛ لأنـَّه يتنفـَّس الآخر في الشارع العراقيِّ حتى أنـَّه لا يحتاج لأن يقرأ كتاباً، مُضافاً إلى ذلك أنَّ العراق رئة مفتوحة يقصده ملايين الناس من مُختلِف بلدان العالم يؤمُّون العتبات المُقدَّسة.

هذه التعدُّديَّة استقطبت الوالهين، والمُحِبِّين للعراق لأن يأتوا؛ لذا العراق ينفتح على كلِّ هؤلاء، ويحترمهم، ويُقدِّرهم.

منطق الجُيُوش هو منطق استثنائيّ يُمكِن أن يُستخدَم عندما يتعرَّض البلد لاعتداء.. العراق لا يُقِيم فلسفته في الدولة على قاعدة الجيش، والقوى العسكريَّة، فضلاً عن أنّه لا يُعسكِر أداءه السياسيَّ، والإعلاميَّ، ولا يُجوسِسُه (يُحوِّله إلى مجموعة جواسيس).. قوة العراق تُستمَدُّ من قِيَمِه الحضاريَّة، وبنيته الاجتماعيَّة.

عندما أُرِيْدَ للعراق أن يعتدي على دولة جوار اعتدى على أكثر من دولة جوار، اعتدى على إيران في أطول حرب بالقرن العشرين، وهي: حرب الثماني سنوات ضدّ إيران، واحتلَّ الكويت، وجرَّ على هذه البلدان، وعلينا الويلات.

قُوَّة العراق بأمنه.. بسلامه.. بحضارته.. بثقافته.. يتميَّز العراق بأنـَّه يملك مِنصَّات، ومسلات حضاريَّة، وثقافيَّة تُؤهِّله لأن يُحاوِر الآخر.. كلُّ الخير في رحم الحوار، ورحم الثقافة.

أشكرك على هذه الالتفاتة، وأحبُّ أن أصحِّح: قُوَّتنا ليست في كوننا الجيش الثالث؛ الدول التي كانت قويَّة بجُيُوشها جرَّت الوبال على بلدانها، وعلى بلدان العالم؛ لأنـَّها تحدَّثت بمنطق البندقيَّة، ونحن نتحدَّث بمنطق القلم:

((ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)) {القلم/1}

((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء*تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ…)) {إبراهيم/24-25}

قناة آفاق الفضائيَّة: تحدَّثتَ سابقاً عن قوة العلاقة بين مصر والعراق. كيف ترى تصريح وزير الخارجيَّة السيِّد سامح شكري مُؤخـَّراً بأنَّ مصر بجوار العراق، باستقرار العراق بعد تشكيل حكومة عراقـيَّة وطنيَّة؟
الجعفريّ: ما يربط العراق بمصر -صحيح، هما بلدانِ في قارَّتين مُتباعِدتين آسيا وأفريقيا، لكنَّ العالم اليوم ليس تجاور أرض، وتجاور جغرافية، وتجاوراً قارِّيّاً، بل تجاور في المصالح، والقِيَم، والمفاهيم- جيوفكريّ بيننا وبين مصر، وهناك مُشترَكات كثيرة جدّاً بين الشعب العراقيِّ والشعب المصريِّ، وهناك قامتان شاهقتان معنويَّتان، هما: النجف، والأزهر.. هناك الدراما والكوميديا المصريَّة، وهناك الثقافة، والكتاب المصريّ، وهناك العلاقات المُتجذِّرة التي وصلت إلى حدِّ التصاهر بين العراق وبين مصر؛ كلُّ هذه أدَّت دوراً مُهمّاً جدّاً حتى تغذي التعامل بين البلدين.

يُوجَد الآن -الحمد لله- اتِّساع في الجانب الاقتصاديِّ، وتبادل في المصالح الاقتصاديَّة بيننا، ونأمل أن ترتفع الوتيرة أكثر.

تُوجَد مسألة السياحة، وتردُّد وُفُود العراقـيِّين إلى مصر.. تحدَّثنا البارحة مع الأخ سامح شكري عن أن يزيد العدد، ويُسهِّلوا عمليَّة منح “الفيزا”، بل طالبناهم برفع الفيزا عن الجوازات الدبلوماسيَّة، والخدمة.

نحن بصدد تذليل العقبات؛ حتى نهيِّئ أكبر فرصة مُمكِنة أمام المُواطِنين من كلا البلدين لأن يتردَّدوا على البلد الآخر، وعادة ما تكون من استحقاقات الديمقراطيَّة عندما تتَّسع المصالح لدائرة المُواطِنين تصبح عمليَّة اختيار الحكومة نابعة من مصالح المُواطِن بشكل مُباشِر.. فعندما يختار حكومة مُعيَّنة، ورئيساً مُعيَّناً يأخذ بنظر الاعتبار وضعه الشخصيَّ، وكتلته.

نحن مُصمِّمون على هذا الاتجاه، والأخ سامح شكري عندما نلتقي سواء هنا في القاهرة، أم عند زيارته لبغداد نحن مُنهمِكان بنقل العلاقة من وضع جيِّد إلى وضع أجود رُبَّما تخلـَّلتها في بعض الأحيان التباسات، لكننا تعاونا على إزالة أيِّ التباس، وأيِّ عقبة تُعرقِل حركة المُسافِرين بين بلدينا.

قناة BBC: العلاقة بين المركز وأربيل بعد قرابة عام من إجراء الاستفتاء الذي انتهى بطبيعة الحال إلى ما هو معروف. هل انتهت الإشكالات القائمة بين المركز وأربيل في الشُهُور الماضية، وهل تمَّ احتواؤها، وما شكل العلاقة؟
الجعفريّ: أمَّا بالنسبة للشقِّ الأوَّل الذي هو العلاقة بين الحكومة الاتحاديَّة وحكومة الإقليم، فالعلاقة كانت جيِّدة، ومازالت.. انتابها بعض التلكـُّؤ عندما طالبت القيادة الكرديَّة المحليَّة بإجراء الاستفتاء، والذي قد يُفضي إلى الانفصال عن العراق، وهذا يُخالِف الدستور الذي نصَّت المادَّة رقم واحد منه على أنَّ العراق دولة ذات سيادة مُوحَّدة في أرضه، وشعبه، وكلِّ شيء.

أنا أبرزتُ هذا النصَّ، وقرأته في جامعة الدول العربيَّة، كما أبرزته في مجلس الأمن -وأنا شاكر للإجماع العربيِّ الذي وقف إلى جانبنا في مسألة التحفـُّظ على الاستفتاء، ووقفت معنا دول العالم كلـُّها بنفس الاتجاه، وكأنَّنا كنا على موعد مع الموقف العربيِّ، والدوليِّ، والإقليميِّ؛ كلـُّها وقفت إلى جانب العراق حتى إنَّ الأخ مسعود برزاني قالها بعظمة لسانه: أنا في الوقت الذي أُصِرُّ على ضرورة الاستفتاء أعلن أنَّ الإجماع الدوليَّ، ودول العالم لا ترضى بذلك- تبقى هذه خطوة، لكنـَّنا لا نختزل الشعب الكرديَّ بخطوة سياسيَّة مُعيَّنة؛ الشعب الكرديّ جزء من الشعب العراقيِّ، وهم إخواننا، وقدَّموا تضحيات في زمن المُعارَضة ضدّ المقبور صدام حسين، وعانوا من ويلاته في حلبجة، والأنفال، وكذا قوائم الإعدام التي عمَّت العراق مثلما شملت العرب كافة شملت الإخوة الأكراد، وهم ساهموا في الحكومة، وإلى الأمس القريب يتقاسمون معنا المواقع.

نحن إلى اليوم رئيس جمهوريتنا من الإخوة الأكراد، وقبله كان الأخ جلال طالباني. لا نُفرِّق.

هذه التجربة رائدة، ورائعة، وجديرة بالاتباع، والاقتداء.

الموظفون يُساهِمون في بناء المُؤسَّسات من دون أيِّ تفريق بين عربيّ وكرديّ، وسنيّ وشيعيّ، ورجل وامرأة، ومسيحيّ ومسلم.. المُؤسَّسات مفتوحة بمعايير حرفيَّة.

رغم أنَّ التجربة العراقـيَّة السياسيَّة بعد انتهاء النظام المقبور هي تجربة حديثة من حيث الزمن فقد طوت مسافات شاسعة على طريق التكامُل.

في العراق فُصُول انتخابيَّة مُختلِفة من عام 2004 عام الانتخابات، وإلى الآن الجميع يُمارِسون عملهم.. نعم، تخلـَّلتها بعض التلكُّؤات، والعثرات -وما من تجربة في العالم إلاَّ وتتخلـَّلها كثير من هذه الأشياء-.

دول العالم ما وصلت إلى ما وصلت إليه إلا بعد مئات السنين.. فما حدث عندنا حرب أهليَّة مثلما في أميركا 600 ألف قُتِلوا بين الشمال والجنوب، ولا الثورة الروسيَّة في 1917، ولا الثورة الصينيَّة في 1949، ولا الثورة الفرنسيَّة في 1789.. كلـُّها حُرُوب أهليَّة.

لماذا لم تحدث في العراق حرب أهليَّة؟

لأنَّ العراق يمتلك -وكذلك عندكم في مصر- ذخيرة حضاريَّة تدوَّرت عبر الزمن، ويُجِيد فنَّ التعامُل مع الآخر عندما يختلف معه، ويعرف كيف يُسخـِّر الكلمة، ولا يسمح باستبدال الكلمة بالطلقة، أو استبدال العمل السياسيِّ بالأسلحة.

وهو سيثبت على هذا الطريق.. وإذا رأيتم، أو سمعتم أنَّ بعض المجاميع تنشز، وتشذ فهذه ليست مُمثـِّلة عن صميم، ووجدان الشعب العراقيِّ، بل مجاميع شاذة رفضها العراقـيُّون كلـُّهم.

القوائم السياسيَّة العراقـيَّة التي تقدَّمت الآن للعمليَّة السياسيَّة تعدَّدت، ولكن لم تتعدَّد على أسس طائفيَّة، أو على أسس قوميَّة، بل تعدَّدت على أساس اجتهادات سياسيَّة، فتجد السُنِّيَّ والشيعيَّ في هذه القائمة، وفي القائمة الأخرى التي تختلف معها؛ إذن الفرق بين القوائم ليس فرقاً طائفيّاً، بل فرقاً سياسيّاً يشترك فيه السُنَّة والشيعة.

جريدة الأخبار: بيان البيت الأبيض الذي صدر بالأمس بتحميل المسؤوليَّة الكاملة لإيران إذا وقع أيُّ اعتداء على أيِّ أميركيٍّ يعيش على أرض العراق هو تدخـُّل سافر في الشأن العراقيِّ، كما أكّدت بعض وسائل الإعلام العربيَّة، والعالميَّة، وبعض الخبراء المُهتمِّين بالشأن العراقيِّ، والإيرانيِّ، والأميركيِّ، وأيضاً ردّ الخارجيَّة العراقـيَّة؟
الجعفريّ: العراق -بكلِّ ثقة- لديه سلطات تتوزَّع المسؤوليَّة سواء التشريعيَّة، أم القضائيَّة، أم التنفيذية، ولديه قوات أمنيَّة على الأرض، وقد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أنـَّها في الوقت الذي عجزت كثير من دول العالم على أن تُلحِق الهزيمة بداعش قد ألحقت قواتنا الهزيمة بداعش، وبدأت بصلاح الدين، ثم ثنـَّت بالأنبار، ثم ختمت في الموصل.. لا نحتاج لأن يُدافِع عن أمننا أحد، ويُثبِّت عرى الأمن، ونعدُّ أيَّ اعتداء على أيِّ مُواطِن بأرضنا اعتداءً على العراقيِّ نفسه؛ لذا يجب أن تعرف إدارة ترامب أنَّ العراقـيِّين أصحاب قِيَم، ويحمون المُواطِنين القاطنين على أرضهم من دول العالم كافة من دون استثناء، بلا تواطؤ مع أحد، ولا خوف من أحد.

لن نسمح بأن تكون أرضنا ميداناً لصراع إرادات إقليميَّة، أو دوليّة.. نحن نحمي مُواطِني الدول التي نسمح لها بفتح سفارات، أو قنصليَّات.

نحمي السفارة الأميركيَّة من أيِّ اعتداء، وعندما تعرَّضت القنصليَّة الإيرانيَّة لاعتداء من بعض المشبوهين قلنا نفس الجواب.

مقياسنا واحد، ولا يُوجَد لدينا فرق “حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد”. وعندما نجد أنَّ هذه الدولة، أو هذا المُواطِن، أو هذا السفير، أو هذا القنصل غير مرضيّ عنه نُبلِغه بصريح العبارة بأنَّ: “وُجُودك هنا لم يعُد جائزاً.. تفضّل اترك البلد”، ولا نسمح لأحد أن يتدخـَّل في شُؤُوننا.. وإذا ثمة مشاكل بين الدول في بلدانها فنحن لا نتدخَّل، ولا نريد أن نجعل العراق ساحة لتقاطع الإرادات الإقليميَّة، والدوليَّة على حساب سيادتنا، ومُواطِنينا، وضُيُوفنا حتى من بلدانهم.

سي بي سي: داعش موجود في العراق، ومصر، وسوريا.. ما شكل التعاون العربيِّ ضدّ داعش إلى هذه اللحظة، أم هناك اعتماد على القوى الدوليَّة الموجودة في المنطقة؟
الجعفريّ: منذ زمن ونحن نتحدَّث عن داعش، ووُجُوده في هذه البلدان.. داعش مُركـَّب خماسيّ من فكر، وثقافة، وتربية على القتل، ودول تُدرِّب، ودول عُبُور.

بلغ عدد جنسيّات الذين انخرطوا في صفوف داعش في آخر إحصائيَّة لوُجُودهم في الموصل 124 جنسيَّة، لكننا لا نختزل البلد بهؤلاء.. عندما يأتي إرهابيّ من دولة خليجيَّة لا نقول: تلك الدولة الخليجيَّة ارتكبت جريمة.. إحدى المرَّات اتصل بي شخصيّاً أمير الكويت، وقال: يُوجَد كويتيان من القاعدة يتسلـَّلان عِبْرَ الحُدُود مُتجهين إلى العراق.

كيف يجوز لي أن أتهم الكويت بأنّها دولة إرهابيَّة، وأميرها يتصل بي، ويقول لي يُوجَد هكذا شيء؟!

واحدة من مُؤامَرات داعش أن تُورِّط الدول في عداء؛ حتى يتحوَّل من عداء بين مجاميع وأفراد شذاذ إلى دولة ضدَّ دولة..

أرجو أن لا تقعوا في هذا الفخ..

وإذا كنتَ تقول لي: جاء أناس يحملون جنسيَّة سعوديَّة.. نعم، ولكن هل المملكة العربيَّة السعوديَّة تحوَّلت إلى دولة إرهاب ضدّ العراق؟!

ليس من الصواب أن نتعجَّل في الحكم.

نحن لا نحكم على البلدان من شُذاذها.. نحن ماضون، ونتعاون.. أنا أعتقد أنَّ مُركـَّب الإرهاب من هذه العناصر الخمسة يجب أن يُواجهه مُركّب الأمن، الثقافة الأمنيَّة المُعادِلة بدلاً من ثقافة الإرهاب، ومُلاحَقة داعش، والتضييق عليه، والعمل على توعية الناس، واستقطاب الشباب، والبحث عن فرص لعملهم وثقافتهم؛ لئلا نترك فراغاً ثقافيّاً؛ ومن ثم يُمليه أعداؤنا -ما لا يملأه الصواب يملأه الخطأ-.

يحقُّ للعراق أن يقول: نجحنا في مُواجَهة داعش.

قناة الاتجاه: هل هناك دول عربيَّة، أو غربيَّة أعلنت وُقـُوفها مع الجانب العراقيِّ في مجال إعادة الإعمار بعد إعلان تحرير الأراضي العراقـيَّة من داعش؟
الجعفريّ: لعله تناهى إلى سمعك مُؤتمَر الكويت الذي انتهى بتخصيص 30 مليار دولار للإعمار والبناء.. نعم، هي سُلَف، لكن بحدِّ ذاتها كانت تحمل تعبيراً عن حشد دوليّ رائع جدّاً، وكلهم أشادوا بالعراق شعباً، وتجربة، وقوات مسلحة؛ وهذا يُشكـِّل دعماً معنويّاً رائعاً جدّاً، ومشروع مارشال عام 1947 كان سلفة، وليس مِنحة، وكان 13 ملياراً.. نعم، يُوجَد فرق بعد مُرُور 70 سنة تقريباً بين 1947 إلى 2018، لكنَّ دعم هذه الدول التي تورَّطت، ووقفت إلى جانب هتلر، وموسليني جعلها تنكفئ مرة ثانية، وتعود إلى البيت الغربيِّ.

هذه تجربة كانت ناجحة، ونحن نذكر بها دائماً.. البارحة ذكَّرتُ الإخوان الذين شاركوا في مُؤتمَر الكويت، وقد حضرتُ في مُؤتمَر الكويت، واستمعتُ إلى كلماتهم، وكنت مغموراً بالفرحة إذ يُشِيدون بموقف العراق، والشعب، ويُصمِّمون على إبداء المُساعَدات، ولو على نحو السلف؛ وهذا -بحدِّ ذاته- يُساهِم في الإعمار والبناء، وقبلها استثمرنا مُساعَدات أخرى جاءتنا في مُؤتمَر فرنسا، ومُؤتمَر لندن.

نحن نتواصل في البحث عن كلِّ ما من شأنه تقوية الاقتصاد العراقيِّ، ويتغلّب على عقباته.. العراق بلد غنيّ، ومُتعدِّد الموارد.. فيه النفط، والزراعة، والثروة المائيَّة، والثروة السياحيَّة، والتاريخ، ولكن يمرّ في ظرف استثنائيّ؛ بسبب تدهُور العملة، وهبوط أسعار في السوق العالميَّة، وتكاليف الحرب على داعش؛ مما تسبَّب بانخفاض المُوازَنة.

نشكر كلَّ الدول التي وقفت إلى جانبنا.

تلفزيون الأخبار المصريّ: ما دور الحكومة العراقـيَّة في تهدئة الأوضاع في البصرة في ظلِّ التظاهرات، والاحتجاجات المُستمِرَّة، وآليَّة التواصل بين العشائر والحكومة في مدينة البصرة؟
الجعفريّ: عندما نتحدَّث عن البصرة نتحدَّث عن ثاني أكبر مدينة في العراق بعد بغداد، وهي ثغر العراق المُطِلّ على ثلاث دول مُجاوِرة: الكويت، وإيران، والسعوديّة.. هي ميناء العراق الوحيد.. البصرة صاحبة التاريخ العريق، وصاحبة مدرسة الحديث والنحو، ومنها: الخليل بن أحمد الفراهيديّ صاحب التقطيع الموسيقيّ، ومنهم مَن يقول: إنَّه عُمانيّ.. على كلِّ حال إن كان عُمانيّاً، فهو شقيقنا، وإذا كان بصريّاً فهو ابننا.

في البصرة تجمَّعت ثروات مُتعدِّدة مادِّيَّة، ومعنويَّة، كما أنَّها قدَّمت سيلاً من الشهداء في مرحلة المُواجَهة ضدّ صدام حسين، وكان خِيرة الدعاة والقادة من مُختلِف الاتجاهات وقفوا للدفاع ذوداً عن العراق.

البصريِّ يتميَّز بدماثة الأخلاق، والشجاعة، وقد تقدَّم عدد غير قليل من أهالي البصرة شهداء في منطقة الفلوجة، وبقيّة مناطق الأنبار، والموصل، وكذا في صلاح الدين، وقد اهتزَّت أريحيتهم، واستجابوا، وشمَّروا عن ساعد الجِدِّ، ووقفوا إلى جانب إخوانهم في القوات المسلحة العراقية بمُختلِف مُكوِّناتها: جيشاً، وشرطة، وحشداً شعبيّاً، وبيشمركة، وقوات مكافحة الإرهاب وقفوا للدفاع ذوداً عن العراق، وهذا درس للعالم كلـِّه رآه بأُمِّ عينه، وهو لايزال طريّاً في الذاكرة.

في مثل هذا الهيجان ضدَّ ظواهر الفساد، والمطالب المشروعة التي يطلبها من الطبيعيِّ أن تحدث بعض الاختراقات، وقد حدثت بعضها، وسرعان ما انتفض عليها أهل البصرة، وأغلقوا الطريق أمامهم.

نحن لا نختزل البصرة ببعض المُمارَسات التي يرفضها أهلها من حرق، أو –لا سمح الله- الاعتداء على بعض الشخصيَّات، لكنَّ المطالب العامَّة مطالب مشروعة، ونحن مع أهل البصرة..

الأخ رئيس الوزراء زار البصرة، ووقف عن بعض الملفات التي طالبَ بها البصريُّون، ووَعَدَ بحلـِّها.

نتمنى أن تتحقق هذه المطالب كلـُّها، كما أعتقد أن بقـيَّة المحافظات التي أبدت عدم ارتياحها من بعض مظاهر الفساد يجب أن تُعالَج بالردِّ الطبيعيِّ.

أيُّ حكومة وطنيَّة عندما تتصدَّى، وتجد أنَّ هناك صيحات ضدّ الفاسدين فالردّ الطبيعيّ هو أن تستجيب، وتُكافِح الفساد، وتنجز الأهداف المُعطـَّلة.

بخُصُوص عودة سورية إلى المقعد في جامعة الدول العربيَّة ما ردُّ الجامعة عن هذا المطلب، وأنَّك تحدَّثتَ عن حرب المياه.. العراق ومصر يُعانِيان من هذه المُشكِلة، وتداعياتها في الفترة المقبلة؟
الجعفريّ: حرب المياه، وما أشار إليه جاك أتالي في 1980، وقد قرأتُ كتابه “القرن الواحد والعشرون وعلم المستقبل”، وهو مُستشار الرئيس الفرنسيِّ الأسبق فرانسوا متيران يتحدَّث عن صورة العالم في هذا القرن، وكيف ستُؤدِّي المياه دوراً مُهمّاً في تغيير خارطة العالم، كنتُ أشمُّ رائحة منذ ذلك الوقت وفي الثمانينيَّات، وكنتُ حينها شابّاً أشعر أنَّ هناك خططاً، وإرادات أجنبيَّة تُحاول أن تُحوِّل عالمنا الثريَّ بالموارد إلى مشاكل، وواحدة منهُنَّ حرب المياه.

النيل ليس مصريَّ المنبع، بل مصريَّ الاجتياز، وكذا دجلة ليس عراقيَّ المنبع، بل عراقيَّ الاجتياز.. هناك كُتـَّاب ستراتيجيُّون يُضمِرون السوء لبلداننا، وينوون مُحاصَرتها بالمياه -والماء ليس قضيَّة كماليَّة، وترفـيَّة، بل هو كما في القرآن الكريم: ((وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيّاً)) {الأنبياء/30}

تتهدَّد الحضارة إذا تهدَّدت المياه، وتتهدَّد -أيضاً- الحياة، والثروة الحيوانيَّة، والزراعيَّة؛ لذا ناشدتُ في الاجتماع بأنَّ العراق لم يأخذ حِصَصه المائيَّة، وعلى الدول العربيَّة أن تقف إلى جانبنا، وتُطالِب تركيا بأن يُعطوا العراق حقه؛ تلبية لحاجة الإنسان العراقيِّ، والزرع العراقيِّ، والحيوان العراقيِّ، والأهوار العراقيَّة، والحضارة العراقـيَّة، بل الحضارة العالميَّة التي نشأت من جنوب العراق أوّلاً، ومن أهرام مصر، وحضارة مصر ثانياً.

ذكـَّرتهم البارحة بهذا الشيء، ولم يصدر عن أحد إشكال على هذا الطرح، ولكن لم تتخذ الجامعة العربيَّة قراراً بهذا.

سنبقى نتحدَّث، ونتكلم، وما ضاق به وقت المُؤتمَر لن يضيق به وقت الاتصالات، والعلاقات بيننا وبين أشقائنا العرب.. سنبقى نُطالِبهم، ونستحثهم أن يرتفعوا إلى مُستوى المسؤوليَّة بالوُقُوف إلى جانب العراق بالمُطالبة بحقـِّه المشروع بالموارد المائيَّة.

في تصريح من مُتحدِّث باسم التحالف الدوليِّ للولايات المتحدة الأميركيَّة إذا اقتضت الحاجة وُجُود القوات الأميركيَّة في بعض الأماكن التي فيها داعش ستتواجد. هل العراق بحاجة إلى القوات الأميركيَّة؟
الجعفريّ: في السنوات التي مضت كانت بوصلة المُواجَهة في صالح داعش في سنة 2014، وكان 40% من الأراضي العراقـيَّة بيد داعش، أمَّا الآن وقد تمَّ تطهير هذه المناطق بدماء عراقـيَّة من مُختلِف الديانات، والقوميَّات، والمذاهب، والاتجاهات السياسيَّة، وقد أثبت العراق جدارته، وقدرته على أن يهزم داعش، وقد هزمه فعلاً.

الآن بعد أن انتهى كلُّ شيء نحتاج كلَّ دول العالم لأن تقف، وتُناصِر الشعب العراقيَّ في معالجة الآثار التي ترتـَّبت على وُجُود داعش.. داعش ذهبت، لكنَّ آثارها لاتزال موجودة حيث التخريب، واختلال الاقتصاد.

لتقف كلُّ دول العالم بما فيها أميركا إلى جانب العراق لمعالجة الآثار، والجرائم التي ترتـَّبت على داعش، أمَّا الدفاع، والارض فالجنديّ العراقيّ جدير، وقادر على أن يحمي بلده بنفسه، وما به حاجة إلى جنديّ آخر.

أصعب شيء في المُعادَلة كان الدم في المُواجَهة، وقد أخذ العراق على عاتقه أن يدفع ضريبة الدم، وقد قلتُ ذلك في خطاب 2014 في الأمم المتحدة في مجلس الأمن: أصعب شيء هو إدارة العمليَّة ميدانيّاً على الأرض، وما تحتاج من دماء. هذه المَهمَّة ستكون على عاتق شعبنا.. العراقيون ليسوا في أزمة أن يُعطوا دماً، لكننا نحتاج مُساعَدتكم في أمور أخرى تهجَّيتها مُفرَدة مُفرَدة، وأعدتُها في مُناسَبات لاحقة.

الدول التي تريد أن تقف إلى جانب العراق عليها أن تسأل العراق نفسه: ماذا تُرِيد منا؟

لماذا امتنعنا عن تقـبُّل تواجُد قطعات عسكريَّة؟

لئلا نُعِيد شبح القواعد العسكريَّة التي خلـَّفتها الحرب العالميَّة الثانية في كوريا، واليابان، وفي قاعدة أنجرليك في تركيا.

لسنا في حاجة لأنَّ يقف أحد إلى جانبنا في هذه القضيَّة، ويُؤسِّس لقواعد. نعم، نحن نحتاج إلى مُساعَدات علميَّة، وإنسانيَّة، وخدميَّة.. تقـبَّلنا من كثير من الدول التي ساهمت في ذلك اليابان، والصين، وكثير من دول العالم، وبعض دول الخليج أمدَّتنا بالمُساعَدة، ورحَّبنا بها.

نعتقد أنَّ هذا النوع من الدعم لا يُسبِّب اختلالاً في السيادة العراقـيَّة، أمَّا أيُّ شبهة اختلال في السيادة العراقـيَّة، فنبتعد عنه نبتعد عنه هُرُوب الماعز من الذئب.

العلاقات مع دول الجوار؟
الجعفريّ: العراق يتمتـَّع بعلاقة طيِّبة مع كلِّ دول العالم، وهذه العلاقة تقوم على مبدأ المصالح المُشترَكة، والأخطار المُشترَكة، والتعامل القطبيّ الثنائيّ بيننا وبين كلِّ دولة، ولا يتأثـَّر، ولا يتداخل مع الدول الأخرى.

في الحوض الجغرافيِّ لدينا ست دول: تركيا، وإيران، والكويت، والسعودية، والأردن، وسورية، وكلّ دولة لها اتجاهها السياسيّ لا نتدخـَّل في شُؤُونهم، ولا نسمح لأحد أن يتدخـَّل في شُؤُوننا.

ونبرم العلاقة معهم بشكل واضح، وعلني، وتحت ضوء الشمس.. عندنا علاقة مع سورية وتركيا، ونعرف أنَّهما بلدان مُتقاطِعان، ولدينا علاقة مع إيران والسعودية، وهما بلدان مُتقاطِعان.

نحن نتعامل مع هذه الدول، ولسنا في أزمة نظريَّة، ولا نُعاني من أزمة تطبيق، وسنبقى على هذا المنوال.

العراق يُحاول أن يُعمِّم دائرة الانسجام، والخير بين هذه الدول، ونبذل جهداً، ولقينا استجابة من هذه الدول، وترحيباً بأنَّ العراق إذا تدخـَّل فنحن مُمتنون.

أعتقد أنَّ هذا بادرة حضاريَّة جيِّدة بأن تتقـبَّل دول العالم العراق أن يعمل كوسيط في التقريب، أو -لا أقلّ- إخماد الفِتَن.

علاوة على ذلك أنَّ الفتنة عندما تشتعل في بلد لا تحتاج “فيزا” حتى تدخل في بلد آخر.. تهديد أيِّ بلد في منطقتنا سرعان ما يقرع طبول الخطر على بلدان أخرى؛ لذا نعمل بمبدأ الأمن الوقائيِّ، ولا ننتظر حُدُوث المُشكِلة، ثم نفكر في الحلّ.

يُمكِن للعراق أن يُؤدِّي دوراً في حلِّ هذه المشاكل، أو -لا أقلَّ- تأجيلها وكذا بقـيَّة الدول.. لا عالم بلا اختلافات، ولكن لا اختلافات، ولا مشاكل بلا حُلول.

صحيفة جزائريّة: أودّ أن أنقل إلى سعادتكم انشغال الشارع الجزائريِّ بالواقعة التي حدثت في مُبارَاة كرة القدم، والهتافات التي ردَّدها المُشجِّعون الجزائريِّون، وبالأمس كان لقاء مع وزير الخارجيَّة الجزائريّ، وتمّ توضيح هذه النقطة، لكنَّ الشارع الجزائريَّ قلق من هذه الواقعة. ما الرسالة التي تُوجِّهها للشعب الجزائريّ؟
الجعفريّ: أنا من أشدِّ المُعجَبين بنضال الشعب الجزائريِّ، وتاريخ الشعب الجزائريِّ، وما صنعه منذ 1846 عبد القادر الحسينيّ الجزائريّ، ومُواكَبته، ومُواصَلته إلى ما فرز من أبطال نساءً ورجالاً: جميل أبو حير، والشهيد عبد القادر الجزائريّ، وغيرهما.

أحبُّه حُبّاً كبيراً، ومازلتُ على هذا المنحى، وقد فُجِعْتُ عندما سمعتُ أنَّ ضُيُوفاً عراقـيِّين، وهم رياضيُّون -حتى إننا إذا أردنا أن نمدح سياسيّاً نقول: ما شاء الله عليه يتمتـَّع بروح رياضيّة- أمَّا رياضيّ يتسيَّس سلباً، ويُسِيء إلى الضُيُوف.. نحن بعثنا لكم فلذات أكبادنا يُفترَض أن تقولوا لهم:

يا ضيفنا لو زُرتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رَبُّ المنزل

ارجعوا إلى أرشيف زيارات الرياضيِّين الجزائريِّين إلى العراق، وكيف انفتحت لهم القلوب قبل البُيُوت، وكيف يتمّ التعامل بهذه الطريقة، فيما العراقـيُّون جاؤوا يُشاركونكم أفراحكم، ثم يُستفَزُّون بترديد شعارات للدكتاتور القبيح الذي لم نرَ أسوأ منه في تاريخ العراق، بل في تاريخ العالم، وهو: صدام حسين.

لماذا هذا الاستفزاز؟!

شيء غريب جدّاً.. كنتُ، ومازلتُ أتوقـَّع أن يُرأَب هذا الصدع بمواقف عمليَّة ملموسة.. من جهتنا الذي حدث أصبح جزءاً من التاريخ، ولا نستطيع أن نمنع ما حدث، لكننا نستطيع أن نمنع تكراره.

وأمام العلاقات العراقـيَّة-الجزائريَّة يجب أن تتكسَّر كلُّ المُحاوَلات التي تُسِيء.. أنا لا أتَّهم الشعب الجزائريَّ، أو الحكومة الجزائريَّة بأنـَّها وراء هذا، ولكن أقول: يجب أن تُحدِّد موقفاً مسؤولاً؛ حتى تبعث رسالة إلى الشعب العراقيِّ بأنَّ الذي حدث لا يُمثـِّل إلاَّ الشُذَّاذ، والحالة الاستثنائيَّة.

والله لو أنَّ عراقيّاً اعتدى على أحد من الجزائريِّين لتبرَّأت منه براءة الذئب من دم يوسف.

كنتُ أتوقـَّع أن يكون ردُّ الجزائريِّ ردّاً حاسماً، وسريعاً، وصريحاً بحيث يحفظ مجرى العلاقات العراقـيَّة-الجزائريَّة بالاتجاه الصحيح.

الموصل تحديداً، ومكانتها شكلاً ومضموناً بعد خُرُوج داعش منها. ما الجُهُود التي تقوم بها الحكومة العراقـيَّة حاليّاً لإعادة تأهيلها مادِّيّاً باستعادتها، ومعنويّاً؟
الجعفريّ: أنا خِرِّيج جامعة الموصل، وقضيتُ فيها ثماني سنوات ونصفاً، وحصلتُ شهادة من كلية الطبّ من جامعة الموصل، فأعرفها شبراً شبراً، منطقة منطقة، وأعرف تفاصيل البنية الاجتماعيَّة، وأشهد أنـَّه مُجتمَع مُتحضِّر، مُثابِر، نشط، ومُجتمَع عمل، وما اختنق بالتنوُّعات، إذ تجد التعدُّد بالطوائف، والقوميَّات، والديانات، والاتجاهات السياسيَّة.

عانت الموصل عبر التاريخ مُعاناة طويلة، ومريرة منذ زمن الحجَّاج بن يوسف الثقفيّ، وأحد مُلوك إيران القدامى مُراد شاه الذي احتلـَّها، والحصار الذي فُرِضَ عليها في خمسينيَّات القرن الماضي إذ حدثت مجازر، وقُتِلَ عدد كبير من الرجال والنساء، والآن بعض الأزقة في الموصل تحمل أسماء أولئك الشهداء.

نحن الآن نعيش عصراً جديداً، ووضعاً جديداً، والجميع يُساهِمون في هذا النظام، ولدينا ثقافة تمتدُّ إلى كلِّ التنوُّعات الموجودة.. فما مسموح أن نغرق في رمال الماضي، والحساسيات.

حسين كفاح شاب من محافظة الديوانيَّة من الجنوب سمع بأنَّ سبع عوائل مُحاصَرة في الموصل، وفيهم مرضى، وأطفال، ولا يصلهم دواء، ولا طعام، فبادَرَ وهو من الديوانية (شيعيّ) -هذه ليست دعوة لقضيَّة طائفيَّة، هذه حقيقة أريد أن أقولها حتى أعالج بها بعض الترسُّبات الموجودة في بعض العقول بأنَّ القضيَّة سُنِّيَّة-شيعيَّة- حسين كفاح جاء من الديوانيَّة إلى الموصل، وتبرَّع بالوُصُول إليهم، واقتحم خطوط النار، وقال لهم في كلماته الأخيرة: سأساعدكم، وأنا أعلم أني سأُقتَل. وقُتِلَ، وهو قد مضى على زواجه عشرة أيَّام.

هذه الصورة كافية لأن تُلخِّص لك مدى التناغم، والتفاعل، والتجاوب بين أبناء الجنوب والشمال.. بين السُنَّة والشيعة.

أعرف أنَّ الموصل مدينة مُتحضِّرة، وغنيَّة، ومدينة تجار، ومُتطوِّرة، وفيها جامعة ناضجة، وعريقة، وقديمة شأنها شأن شقيقاتها المحافظات الأخرى.

للموصل تميُّز خاصّ؛ لذا في كلِّ الحوارات التي كانت لنا مع رؤساء العالم، ووزراء خارجيتهم، والمنظمات الدوليَّة نُفرِد فقرة لمسألة الموصل.

ماذا بعد تحريرها؟

يجب أن نُعِدَّ العُدَّة من الآن، ونُوفـِّر لهم ما يُعِيدها، وتستأنف حياتها بشكل جيِّد.. لا أعتقد أنَّه لا يُوجَد أجدر من أبناء أيِّ مدينة في إعادة بنائها.

بخُصُوص سورية؟
الجعفريّ: سبق أن أشرتُ إلى ضرورة عودة سورية إلى البيت العربيِّ مُؤسِّساً على نظريَّة أنَّ الجامعة العربيَّة جامعة وليست مُفرِّقة، وهي جامعة الدول، وليست جامعة الحكام، والحكومات.. فإقصاء أيِّ دولة يعني فصمنا العلاقة بين شُعُوب الأُمَّة؛ وهذا يتعارض مع فلسفة جامعة الدول العربيَّة.

آمل، ولا أقف عند حُدُود آمالي، وإنَّما أعمل ليل نهار من أجل إعادة سورية، والسماح لها.

سورية قد لا تكون دولة نفطيَّة، لكنَّها دولة ثريَّة بالمعنويَّات، وقد ساهمت قديماً في ترميم البيت العربيِّ، فأتطلع إلى ذلك اليوم الذي تعود فيه سورية إلى جانب شقيقاتها الدول الأخرى لفضاء الجامعة العربيَّة.

نبذة عن admin -

التعليقات مغلقة.

مكتب مفوضية كندا، ندوة تثقيفية، الانتخابات العراقية، سكاربورو المفوضية، العليا، الانتخابات، العراق، الحملات، الانتخابية المرجعية، الدينية، العليا، التعايش، السلمي، الكراهية، البغضاء مجلس الوزراء، العراقي، مشروع، قانون، الحرس الوطني روسيا المحكمة، الاتحادية، العليا، العراق، تؤكد، نص، الدستور، الانفصال المفوضية، العليا، المستقلة، الانتخابات، بطاقات، الناخبين، مخيمات، النازحين مجلس الوزراء، العراقي، جلسة، الاعتيادية، العبادي العبادي، اجتماع، لجنة، الطاقة، الوزارية الشرطة التركية، الغاز المسيل للدموع، خراطيم المياه، المتظاهرين، إسطنبول، مفوض حقوق الانسان، مجلس اوربا زيارة، وفد قنصلي، السفارة العراقية، تورنتو، انجاز المعاملات اشتباكات، أنصار، الرئيس المصري المعزول، معارضيه، القاهرة، محافظات المالكي، العراق تأجيل، محاكمة مبارك، القصور الرئاسية، الدراسة، المنشآت التعليمية وزير الخارجية، الكندي، بغداد دي ميستورا، استئناف، المفاوضات، السورية، جنيف ممثل، المرجعيّةُ، الدينيّةُ، العُليا، نصائح، ارشادات، القادة، الاداريين المرجعية، الدينية، العليا، المتصدين، المسؤولية،مراقبه، الحسنات، الاموال المرجعية، الدينية، العليا، دعم، المقاتلين، معنوياً، مادياً، إعلامياً المرجعية، الدينية، العليا، الزائرين، كربلاء، مصير، العراق، المنطقة سوريا الفيفا، نقل، مباراة، السعودية، فلسطين قطر الاتحاد الأوربي، عقوبات، روسيا المرجعية، الدينية، العليا، الالتزام ، مستحقات، الحشد الشعبي، تكريم، شهدائه المرجعية، الدينية، العليا، توصيات، الحشد الشعبي، تدين، قتل، المصريين، الاقباط، داعش المرجعية، الدينية، العليا، الاصلاحات، تفرد المرجعية، الدينية، العليا، السياسيين، الخلافات، الازمة