سعد عباس: ذاكرة عراقية (الأخيرة) المحاصصة … البعث، الصدر، الضاري
بواسطة admin بتاريخ 9 أغسطس, 2018 في 08:22 م | مصنفة في مقالات | التعليقات مغلقة

سعد عباس

(حصري) – هاملتون

* ارتبط اسم حزب البعث العراقي بالسلطة، مرّتين. الأولى في 8 شباط /فبراير”1963، بعد انقلاب عسكري على “الزعيم” عبد الكريم قاسم. (التقيتُ في لندن 2000 أحد الضباط المشاركين في ذلك الانقلاب، وهو عبد الستار الدوري، وكان من المعارضين لصدام حسين، وأحد الناشطين في المؤتمر الوطني العراقي).

* والثانية في 17 تموز /يوليو 1968، بعد انقلاب عسكري أطاح سلطة الرئيس عبد الرحمن عارف. (التقيتُ في لندن 2000 أحد القياديين المشاركين في ذلك الانقلاب، وهو صلاح عمر العلي، وكان معارضاً لصدام حسين، والأمين العام لحركة الوفاق الديمقراطي).

* وبعد الغزو الأمريكي في 2003، طويت أخر صفحات ارتباط البعث بالسلطة في العراق، مع أنّ هناك في أوساط المعارضة العراقية من يرى أن حزب البعث خسر السلطة أو نُحيّ عنها في تموز /يوليو 1979، وأن “بعثاً” آخر كان يقبض صدام حسين على السلطة باسمه.

* وشاع في العراق قبل 2003 وبعده مصطلح “البعث الصدامي” تمييزاً له عن “حزب البعث العربي الاشتراكي”. وكان الغالب الأعمّ من قيادات المعارضة التي تولت السلطة بعد 2003، تستخدم هذا المصطلح في خطابها الإعلامي الرسمي.

* إن هذه المقدمة ضرورية، في أي اشتغال معرفي لفهم التناقض الصارخ بين “علمانية بعث عفلق” و”طائفية البعث الصدامي”.

* في لندن 2000، قال لي صلاح عمر العلي (الذي كان عضواً في “مجلس قيادة الثورة” في 1968):
“الحزب كان علمانياً، ولم يكن بيننا لا على مستوى القيادة أو القواعد من يحمل نزعة طائفية أو مذهبية. ولم يكن لصدام توجه دينيّ وبالتالي لم تكن لديه ميول طائفية، لكنّ خاله خير الله طلفاح كان طائفياً متطرفاً”.

*ووفقاً للعليّ وبعثيين آخرين من المنشقين في مراحل مختلفة بين 1968 الى 2003، فإن خير الله طلفاح لم يكن قيادياً بعثياً، ولم ينتم الى حزب البعث أصلاً، بل كان يُحرّض قريبه رئيس الجمهورية آنذاك أحمد حسن البكر على حزب البعث، ويدعوه الى الاعتماد على الحلقة العشائرية الموثوقة، وخصوصاً على صدام حسين.

* وكان هنالك قيادي بعثي كبير من المقربين لصدام، تعدّه شريحة كبيرة من البعثيين “نسخة من طلفاح”، وهو عزّت إبراهيم الدوري. وهو الذي سيلعب دوراً محورياً بعد 1979 في تغليب كفّة الطائفية على العلمانية في خطاب البعث “الصدامي”.

* بدأ عصر الدوري الذهبي في اعقاب اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980.

* ووفقاً لحوارات أجريتُها مع بعثيين انشقوا عن صدام بين 1982 و1990، فإن الدوري كان أبرز الذين شجعوا صدام على التحالف مع الإسلاميين السنّة، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين للوقوف بوجه منافسه اللدود في سوريا، من جهة، واستقطاب الشارع العربيّ السنيّ ضد إيران الشيعية، من جهة أخرى.

* وهكذا برز تحول ديني لافت في فكر حزب البعث بنسخته الصدامية، عندما صار يستخدم شعارات مثل “الجهاد” في حربه مع إيران، بعدما كان شعار “النضال” هو عنوان المرحلة السابقة منذ تأسيس الحزب.

* وكان مشهد وفاة مؤسس حزب البعث، المسيحي العلمانيّ ميشيل عفلق عام 1989، لافتاً بشكل أكبر، إذ أعلن نظام صدام في حينه أن عفلق أسلم قبل وفاته. وقد استقبل كثير من البعثيين والقوميين العرب هذا الإعلان بالتندّر، لأن عفلق كان في أثناء حياته “الحصن الذي وقف بوجه أسلمة الحزب”.

* أكان ذلك الإعلان شهادة وفاة البعث العلمانيّ؟. أجابني أحمد طه العزوز “مسؤول صدام الحزبّي في 1959″، في لقاء جمعني به ببغداد في 2004: “نعم، يمكن القول إنه كان كذلك”.

* وبعد حرب الخليج الثانية “عاصفة الصحراء” عام 1991، كثَف “البعث الصدامي” حملته لأسلمة المجتمع، وخاصة في أعقاب انتفاضة آذار /مارس 1991، وبلغت ذروة حملة أسلمة المجتمع في عام 1993 عقب تخلي صدام حسين عن بقايا البعث العلمانية، وبدأ حملته “الإيمانية”، وتزامن ذلك مع انكفاء صدام على قاعدته العشائرية السنية، وشيئاً فشيئاً بدأ يفرض تغييرات على المجتمع العراقي آخذاً إياه إلى طريق “الدولة الإسلامية” بنسخة شديدة التوحش. فكان أن صدرت قوانين تفرض عقوبات مثل قطع يد السارق وقطع رؤوس عاهرات، يقابل ذلك بناء العديد من المساجد في أنحاء العراق، بالإضافة إلى تدريس القرآن الكريم والتركيز على كسب رجال دين أفرزتهم تلك الحملة ويسّرت لهم لعب دور أكبر في المجتمع.

* وولدت في جسد “البعث الصدامي” حركة دينية انخرط فيها قياديون في تراتبية الحزب التنظيمية وضباط كبار في الجيش والحرس الجمهوري وجهاز الأمن الخاص والمخابرات، وصار العديد منهم يرتاد المساجد التي تزامن التوسّع اللافت في بنائها مع التدهور المتسارع في الأوضاع المعيشية للمجتمع العراقي في ظل عقوبات اقتصادية أجهزت على ما تبقّى من طبقة وسطى.

* وفيما كان كبار الضباط وكوادر البعث الصدامي تتجه الى الأفكار السلفية، كان العراق يعاني نزيفاً متواصلاً من كفاءاته الإدارية والعلمية والفكرية التي بدأت تغادر البلاد بمجرّد رفع حظر السفر الذي كان معمولاً به منذ عام 1982. واستثمر الفرصة كثير من أساتذة الكليات والجامعات والمدرسين والمهندسين والأطباء وسواهم (باستثناء العسكريين ومنتسبي الأجهزة الأمنية) ممن تحصّلوا على عقود عمل في دول عربية، فغادروا العراق الى الأردن وليبيا واليمن، وكان بين هؤلاء كثير من البعثيين الناقمين على صدام.

* وكشفت وثائق للمخابرات العراقية صودرت بعد 2003 عن تقارير رفعها الجهاز الى صدام تحذّر من خطورة صعود السلفيين، واختراقهم الجيش وأجهزة الامن.

* لم يكن ما تقدّم سوى جانب من الصورة، التي كان لها جانب آخر مسلّح. فبعدما كان حزب البعث العلماني يؤسس ميليشياته على شعاراته “النضالية والكفاحية”: منظمة الفتوة والطلائع، الجيش الشعبي … الخ، فإن “البعث الصدامي” أسس ميليشياته المسلحة على شعاراته “الجهادية”: جيش القدس، فدائيي صدام … الخ.

* كان صدام يبتعد بالبعث عن استنساخ تجارب اليسار في هذا المجال، فمنظمة الطلائع والفتوة كانت استنساخاً لمنظمة الشبيبة اليسارية، وصار يقترب من استنساخ تجارب الإسلام السياسي، فجيش القدس كان استنساخاً لفيلق القدس الإيراني.

* أسهمت تلك الأوضاع (الحصار الاقتصادي، الهزيمة العسكرية، قمع الانتفاضة، الحملة “الإيمانية”، وهجرة الكفاءات) في تشكّل حركة شيعية من خارج رحم المرجعية التقليدية “الصامتة”، يقودها محمد محمد صادق الصدر الذي تصدّى للمرجعية في نسختها “الناطقة”. (تفاصيل موسعة في الكتاب).

* كان المعارضون الإسلاميون (الشيعة منهم والسنّة)، ينظرون الى مخرجات “الحملة الإيمانية” من رجال دين، على أنهم “شيوخ السلطة”، وكانت تلك الحالة الملتبسة، شديدة الشبه بشيوخ العشائر الذين برزوا بعد 1991.

* وفي مراجعة لما كانت تنشره مطبوعات المعارضة العراقية (ولا سيما الأحزاب الشيعية) بعد 1991، يمكن قراءة عشرات المقالات التي تطعن بذمّة محمد محمد صادق الصدر، وتتهمه صراحة بأنه “صنيعة نظام صدام”. وبعد مقتله (واثنين من أولاده) في التاسع عشر من شباط /فبراير 1999، صارت الأقلام ذاتها تصف الصدر بـ “الشهيد” وتتهم “صانعه” صدام بأنه وراء اغتياله. (تفاصيل موسّعة في متن الكتاب).

* وفي عامه الأخير في السلطة، وبعد أن بدأ بوش الأبن قرع طبول الحرب، استنفر صدام كامل عدّة حملته الإيمانية، رافعاً شعار “الجهاد”، وداعياً جميع “المجاهدين” العرب والمسلمين الى الالتحاق بإخوتهم العراقيين في معركة الحقّ ضد الباطل، والإيمان ضد الكفر.

* وبعد غزو العراق في 2003، بدأت تتضح ملامح “محاصصة” في “البعث الصدامي”، تمثل الوجه الآخر لمحاصصة معارضي صدام العائدين من المنافي.

* انشق “البعث الصدامي” الى جناح “متديّن” وآخر “علماني”. ثم انشق الجناح “المتديّن” الى فريقين، فريق سنّي صنع ظاهرة “حارث الضاري”، وفريق شيعي صنع “ظاهرة مقتدى الصدر”.

* وتزامن ذلك، مع محاصصة أخرى تمثّلت في احتضان أحزاب المنفى العائدة بعد 2003، بعثيين فكّوا ارتباطهم بحزبهم. فأخذت الأحزاب الكردية حصّتها منهم، وأخذت الأحزاب الشيعية حصّتها هي الأخرى، وفتحت حركة الوفاق (أياد علاوي) حضنها لأعداد تناسب حصّتها، وكانت للمؤتمر الوطني (أحمد الجلبي) حصّته هو الآخر. وانتشر فريق من البعثيين في تشكيلات حزبية نشأت لاحقاً. أما الحزب الشيوعي فقد كانت حصّته “شيوعيي البعث” وهم أولئك الذين اضطروا الى مهادنة سلطة صدام في أواخر 1979، وانضم بعضهم الى صفوف البعث.

* لم يكن ذلك ليكون بمعزل عن ضغوط أمريكية وإقليمية، وإن بدا في قراءة سطحية استجابة طبيعية لحاجة أحزاب المنافي العائدة بعد 2003 أو التي نشأت في العراق بعد 2003، الى استعراض كمّي لأعضائها، من جهة، والإفادة من خبرة أولئك البعثيين بخريطة البلاد الأمنية، ودهاليزها المظلمة.

* لم أكن بحاجة الى المعلومات التي توافرت لي عن طريق اللقاءات الشخصية والحوارات الصحفية مع قياديين في الأحزاب الكردية والشيعية والسنية، أو مسؤولين في النظام السابق (من غير المطلوبين)، أو ضباط مخابرات صدام، كما لم أكن بحاجة الى تقارير مراكز الدراسات الغربية والصحف الأمريكية والبريطانية، لأكتشف ذلك اللهاث التحاصصيّ.

* كانت إجراءات تطبيق قانون “اجتثاث البعث” كافية لأرى مشهد محاصصة (البعث). مثلما كانت عمليات تفكيك مؤسسات الدولة وإعادة هيكلتها، سبيلاً الى رؤية مشهد المحاصصة (النفوذ الإداري). ومثلما كانت عمليات نهب المصانع والمصارف والمعسكرات ومخازن العتاد والأسلحة، والاستيلاء على عقارات أركان النظام السابق، طريقاً الى رؤية مشهد محاصصة “الفساد”.

* حتى عمليات “المقاومة” كانت تجري على نسق تحاصصي، منذ أول محاصصة: شيعية (جيش المهدي وفصائل أخرى)، وسنيّة (التشكيلات المسلحة لهيئة علماء السنّة التي صارت هيئة علماء المسلمين لاحقاً)، وكرديّة (حركة أنصار الإسلام).

* أكتفي بهذا القدر مما عرضتُه من ملخص (طويل) لكتابي عن المحاصصة. وأختم هذه السلسلة بالقول:
لم أكن أرجم بالغيب عندما حذّرت مبكّراً من خطورة المحاصصة في ندوات ومؤتمرات ومقابلات تلفزيونية، منذ 2002، مروراً بـ 2003 و2004، وصولاً الى 2008، في كتابي “العراق… رهان على أسطورة”. ولم أكن استثناء عن مثقفين عراقيين آخرين عارضوا المحاصصة قبل أن تفتك بالعراق. كلّ ما في الأمر أنني كنتُ أراقب بوعي، وأفكّر باستقلالية. لا أؤجر عقلي لحزب أو جماعة، ولا أسير في قطيع، ولا أرى ما يريد الآخرون أن أراه، ولا أتبنّى رأياً أو معلومة إلا بعد تمحيصها والتثبّت من أسانيدها. لذلك كنت شاهداً مستقلاً قدر ما استطعت.

* أدعوكم، أصدقائي، أن تكتبوا شهاداتكم. لأنّ العراق اليوم بلا ذاكرة.

نبذة عن admin -

التعليقات مغلقة.

مكتب مفوضية كندا، ندوة تثقيفية، الانتخابات العراقية، سكاربورو المفوضية، العليا، الانتخابات، العراق، الحملات، الانتخابية المرجعية، الدينية، العليا، التعايش، السلمي، الكراهية، البغضاء مجلس الوزراء، العراقي، مشروع، قانون، الحرس الوطني روسيا المحكمة، الاتحادية، العليا، العراق، تؤكد، نص، الدستور، الانفصال المفوضية، العليا، المستقلة، الانتخابات، بطاقات، الناخبين، مخيمات، النازحين مجلس الوزراء، العراقي، جلسة، الاعتيادية، العبادي العبادي، اجتماع، لجنة، الطاقة، الوزارية الشرطة التركية، الغاز المسيل للدموع، خراطيم المياه، المتظاهرين، إسطنبول، مفوض حقوق الانسان، مجلس اوربا زيارة، وفد قنصلي، السفارة العراقية، تورنتو، انجاز المعاملات اشتباكات، أنصار، الرئيس المصري المعزول، معارضيه، القاهرة، محافظات المالكي، العراق تأجيل، محاكمة مبارك، القصور الرئاسية، الدراسة، المنشآت التعليمية وزير الخارجية، الكندي، بغداد دي ميستورا، استئناف، المفاوضات، السورية، جنيف ممثل، المرجعيّةُ، الدينيّةُ، العُليا، نصائح، ارشادات، القادة، الاداريين المرجعية، الدينية، العليا، المتصدين، المسؤولية،مراقبه، الحسنات، الاموال المرجعية، الدينية، العليا، دعم، المقاتلين، معنوياً، مادياً، إعلامياً المرجعية، الدينية، العليا، الزائرين، كربلاء، مصير، العراق، المنطقة سوريا الفيفا، نقل، مباراة، السعودية، فلسطين قطر الاتحاد الأوربي، عقوبات، روسيا المرجعية، الدينية، العليا، الالتزام ، مستحقات، الحشد الشعبي، تكريم، شهدائه المرجعية، الدينية، العليا، توصيات، الحشد الشعبي، تدين، قتل، المصريين، الاقباط، داعش المرجعية، الدينية، العليا، الاصلاحات، تفرد المرجعية، الدينية، العليا، السياسيين، الخلافات، الازمة