سعد عباس: ذاكرة عراقية (6) المحاصصة… والفخّ الأمريكي
بواسطة admin بتاريخ 5 أغسطس, 2018 في 07:11 م | مصنفة في مقالات | التعليقات مغلقة

سعد عباس

(حصري) – هاملتون

* من المهم التذكير بأن “الرعاية” الأمريكية كانت واحدة من الفخاخ المهلكة التي سقطت فيها المعارضة العراقية بعد 1990، ولعلّها تكون أسوأ تلك الفخاخ.

* وردتْ في تقارير عدة لمراكز دراسات أمريكية (اطلعتُ عليها في 2001) أن المعارضة العراقية لم تكن تحظى قبل 1990 بثقة الإدارات الأمريكية، وكانت تقارير وكالة المخابرات المركزية “سي آي إيه” ترسم صورة قاتمة لمعارضي صدام حسين، وتعدّهم بديلاً غير مناسب.

* في ربيع 2002، سألتُ سفير وزارة الخارجية الأمريكية لدى المعارضة العراقية فرانك ريتشارد دوني عمّا ذكرته تلك التقارير من معلومات منسوبة الى مسؤولين في البيت الأبيض، فقال: “ما يمكنني قوله إنّ إدارة الرئيس جورج دبليو بوش لا توفّر جهداً في دعم المعارضة العراقية. وأعتقد أنّ قانون تحرير العراق أرسى قواعد هذا الدعم”.

* لكن قياديين في الحزب الشيوعي العراقي (من بين معارضين آخرين) أبلغوني في لقاءات جمعتني بهم في لندن بين 2000 و2002، أن “عدم الثقة متبادل بيينا وبين الأمريكان. فنحن أيضاً لا نثق بهم”.

* وقال لي رئيس المجلس العراقي الحرّ سعد صالح جبر في جلسة خاصة في صيف 2002، ثم في حوار موسّع أجريته معه في بغداد 2004، ونُشر في صحيفة “الزمان” إن الولايات المتحدة خذلت المعارضة العراقية وأجهضت كثيراً من محاولاتنا لإسقاط نظام صدام حسين قبل 1990. وأضاف (حتى بعد 1990، لم يكن الأمريكان صادقين في مزاعمهم بشأن إسقاط صدام)، وأشار الى أنه أتهم الأمريكان علناً بتسريب خطة لإسقاط صدام حسين في عام 1992. وأنه رفض على إثر ذلك المشاركة في المؤتمر الوطني العراقي الموحد الذي جرى تشكيله في العام ذاته. (تفاصيل الخطة وتسريبها في متن كتابي).

* ومن جهته، قال لي رئيس حركة الوفاق الديمقراطي صلاح عمر العلي (في لندن 2001): “بعد غزو الكويت، وجد الأمريكان أنفسهم بحاجة الى معارضي صدام حسين ليبتزّوه بهم”.

* في المقابل، كان كثير من أولئك المعارضين بحاجة الى دعم دولي (سياسي وإعلامي … وماليّ أيضاً) يواجهون به ماكينة صدام الدعائية الضخمة، من جهة، والحصار المفروض عليهم في غالبية الدول العربية والإقليمية، من جهة ثانية. فلم تكن تدعمهم قبل 1990 سوى سوريا وإيران.

* من المهم التذكير، أيضاً، بأن بعض أحزاب المعارضة نشأت داخل العراق، وأهمّها الحزب الشيوعي (أول حزب سياسي في تاريخ العراق الحديث، تأسس في 31 آذار “مارس” 1934) وحزب الدعوة الإسلامية (تأسّست نواته الأولى عام 1957)، والحزب الإسلامي العراقي (تأسس كواجهة سياسية لحركة الأخوان المسلمين، بعد صدور قانون الجمعيات رقم 1 لسنة 1960).

فيما نشأت أحزاب أخرى خارج العراق، وأهمها الحزب الديمقراطي الكردستاني (تأسس في مهاباد بإيران في 16 آب “أغسطس” 1946)، والاتحاد الوطني الكردستاني (تأسس في دمشق في الأول من حزيران “يونيو” 1975، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق (تأسس في إيران في 17 تشرين الثاني “نوفمبر” 1982). وفي مطلع الثمانينات، أيضاً، أسس سعد صالح جبر حزب الأمة الجديد، إحياءً لحزب الأمة الذي كان يقوده والده رئيس الوزراء في العهد الملكي.

* وكانت هذه الأحزاب (وفرع حزب البعث المدعوم من سوريا) هي الأكثر نشاطاً قبل 1990.

* كان النشاط الحزبيّ داخل العراق قبل 1990 محظوراً ومجرّماً (باستثناء حزب البعث)، وكان الشيوعيون قد صاروا شتاتاً في كردستان وسوريا واليمن والجزائر ودول أوربية بعد انفراط تحالفهم مع البعث في آذار /مارس 1978، فيما أصدر مجلس قيادة الثورة في 31 آذار /مارس 1980 قراراً نصّ على إعدام كل من ينتمي إلى حزب الدعوة الإسلامية.

* ظهرت مساويء كثيرة بعد 1990 لحظر العمل الحزبي والسياسي في العراق، لكن أخطر ما طفا على السطح من مساويء، أنّ النشاط المعارض طغت عليه الصبغة الشيعية والكردية، من جهة، ومصادر التمويل الأمريكي والخليجي، من جه ثانية. وبعد أن كانت الأحزاب تموّل نفسها من اشتراكات أعضائها وتبرعات الميسورين من المتعاطفين معها، برزت ظاهرة تسديد الحركات الجديدة رواتب شهرية لأعضائها. وكانت بعض الانشقاقات تحدث بسبب الخلافات المالية.

* كان سعد صالح جبر أحد أبرز الاستثناءات، قبل 1990 وبعده، لجهة تمويل حزبه “الأمة الجديد” ومن ثم “المجلس العراقي الحرّ”. إذ كان الرجل ينفق من ماله الخاص. (تفاصيل موسعة في متن الكتاب).

* استمات الأمريكان (وحلفاؤهم) في استقطاب معارضة سنيّة. ودعموا شخصيات قومية وليبرالية.

فتأسست حركة الوفاق (في السعودية) عام 1991، وما لبثت أن انشطرت الى حركتين مناهضتين لبعضهما (الوفاق الوطني بزعامة أياد علاوي، والوفاق الديمقراطي بزعامة صلاح عمر العلي)، وتأسس المؤتمر الوطني 1992، واختير أحمد الجلبي رئيساً لمجلسه التنفيذي، وتأسس المجلس العراقي الحرّ في لندن بزعامة سعد صالح جبر (وكان حزب الأمة الجديد قد تجمّد نشاطه).

* لكنّ الأمريكان لم يجدوا في هذه الأحزاب (الليبرالية) برغم ميولها المتنوعة (قومية ويسارية وعلمانية) ما يسدّ ثغرة مهمة، تتمثل في غياب واجهة سنيّة صريحة.

* ومع أن الحزب الإسلامي العراقي كان قد تأسس في العراق عام 1960، إلا أنه بدأ يتآكل بعد 1968. ثم أعيد تأسيسه في لندن 1991، ليكون تلك الواجهة السنيّة الصريحة.

* في مقالات عديدة نشرتها بين 1997 و2003، وجمعت بعضها في كتابي (العراق… رهان على أسطورة)، أوردتُ المسوّغات الأمريكية لـ “تأطير” المعارضة العراقية على أسس طائفية وعرقية. وقد ساق لي تلك المسوّغات معارضون عراقيون ومسؤلون أمريكان، في حوارات صحفية (تُنسب فيها المعلومات والآراء الى مصدرها باسمه الصريح وموقعه الحزبي أو الحكومي) أو جلسات لتبادل الآراء (متاحة للنشر شريطة عدم الإفصاح عن هوية المصدر، والاكتفاء بنسبتها الى “مصدر مطلع”).

* ومن أهمّ تلك المسوّغات، أن قوى المعارضة العراقية الرئيسة إما كردية أو شيعية، والغياب السنيّ لا يجعلها ممثلة للشعب العراقي كلّه.

* كان ذلك المسوّغ يبدو منطقياً ومعقولاً في ظاهره. لكنني لم أقتنع به أبداً.

* صحيح جداً أنّ غلبة الكرد والشيعة واضحة بجلاء في هياكل المعارضة، إلا أن ذلك لا يعني غياب السنة عن العمل السياسي المعارض منذ ما قبل 1968.

* وصحيح أنّ كثيراً من السنّة لم يكونوا أسماء لامعة في المعارضة بعد 1986، إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود قيادات سنيّة شاركت بفاعلية في محاولات عدة لإسقاط صدام حسين عبر “انقلاب قصر” أو “انقلاب عسكري”.

* وصحيح أن كثيراً من السنّة لم يكونوا يفصحون عن معارضتهم لصدام حسين، إلا أن سبب ذلك معروف. كان صدام يواجه بالقمع الوحشيّ معارضيه أياً كانت هوياتهم الفرعية، لكنّه بحكم تركيبة سلطته العائلية والعشائرية والمناطقية كان يبدو زعيماً سنيّاً في نظر فئات واسعة من المجتمع العراقي (والشارع العربيّ)، الأمر الذي جعل أيّ معارض سنيّ عرضة ليس لبطش صدام وأجهزته القمعية، فحسب، بل لبطش المجتمع السنيّ العراقي المخدوع بسنيّة صدام، والشارع العربيّ الذي كان ينظر اليه بطلاً عربياً سنيّاً يحارب إيران الشيعية الفارسية، أيضاً.

* لم يكن متاحاً للسنّة أن يكون لهم كيان سياسي معارض لصدام حسين، لكنّ ذلك كان في صالح الدولة العراقية، من وجهة نظري. وكان الأمر سيكون مفيداً، أيضاً، لو أن أي حزب شيعيّ لم يتأسس (لأن دور الحزب السياسي يختلف كلياً عن دور الحوزة الدينية، وفي ذلك كلام كثير لا يتسع المجال له هنا).

* وكان المسوّغ الثاني يتمثل في أن طمأنة الشارع العربيّ والحصول على تأييده لمشروع إسقاط نظام صدام حسين (أو تحييده، في أقلّ تقدير) يستدعي وجود واجهة إسلامية سنيّة معارضة.

* وأيضاً، فإن هذا المسوّغ يبدو منطقياً في ظاهره، ولا سيّما أن صدام حسين نجح بخدعة (الحملة الإيمانية) في استقطاب شريحة مهمة من الإسلام السياسي السنيّ في دول الخليج بخاصة والدول العربية والإسلامية بعامّة، بل إن تياراً شيعياً نشأ داخل العراق من رحم تلك “الحملة الإيمانية”.

* لكنّ الشارع العربيّ لم يكن كلّه إسلاماً سياسياً. فضلاً على أن الحكومات العربية الحليفة لأمريكا (وحتى غير الحليفة) تحكم الشارع بقبضة حديدية، ما يعني عدم الحاجة الى أسلمة المعارضة العراقية لتحييده.

* كنتُ أقول هذا لقيادات المعارضة العراقية وللمسؤولين الأمريكان، وكنتُ أنشر مقالات تفنّد تلك المسوّغات “الملتبسة”. وكنتُ أرى أنّ إصلاحاً لاختلالات معادلات المعارضة العراقية هو ما يتعيّن مباشرته لتكون تلك المعارضة ممثلة للشعب العراقي كلّه وليس للشيعة والكرد، ما يستدعي ترصين مشروع وطنيّ على مقاس الدولة لا على مقاسات الطوائف والأعراق. وهذا يعني تحرير المعارضة من هيمنة الإسلام السياسي الشيعي، وليس تكبيلها بإسلام سياسي سنيّ.

كان يخالجني الشكّ بأنّ الأمريكان (وحلفاءهم) يتعمّدون إضعاف المعارضة الليبرالية ووأد أي مشروع وطني عراقي. ثم تحول هذا الشكّ الى قناعة راسخة.

* تأكد لي في 2002، وبشكل قاطع، أنّ المحاصصة إحدى ركائز المشروع الأمريكي لعراق ما بعد صدام، وهي في الوقت ذاته خيار استراتيجي لجماعات عراقية معارضة، بعضها يعارض المشروع الأمريكي للتغيير.

ما أسانيد ذلك؟. انتظروني غداً.

نبذة عن admin -

التعليقات مغلقة.

مكتب مفوضية كندا، ندوة تثقيفية، الانتخابات العراقية، سكاربورو المفوضية، العليا، الانتخابات، العراق، الحملات، الانتخابية المرجعية، الدينية، العليا، التعايش، السلمي، الكراهية، البغضاء مجلس الوزراء، العراقي، مشروع، قانون، الحرس الوطني روسيا المحكمة، الاتحادية، العليا، العراق، تؤكد، نص، الدستور، الانفصال المفوضية، العليا، المستقلة، الانتخابات، بطاقات، الناخبين، مخيمات، النازحين مجلس الوزراء، العراقي، جلسة، الاعتيادية، العبادي العبادي، اجتماع، لجنة، الطاقة، الوزارية الشرطة التركية، الغاز المسيل للدموع، خراطيم المياه، المتظاهرين، إسطنبول، مفوض حقوق الانسان، مجلس اوربا زيارة، وفد قنصلي، السفارة العراقية، تورنتو، انجاز المعاملات اشتباكات، أنصار، الرئيس المصري المعزول، معارضيه، القاهرة، محافظات المالكي، العراق تأجيل، محاكمة مبارك، القصور الرئاسية، الدراسة، المنشآت التعليمية وزير الخارجية، الكندي، بغداد دي ميستورا، استئناف، المفاوضات، السورية، جنيف ممثل، المرجعيّةُ، الدينيّةُ، العُليا، نصائح، ارشادات، القادة، الاداريين المرجعية، الدينية، العليا، المتصدين، المسؤولية،مراقبه، الحسنات، الاموال المرجعية، الدينية، العليا، دعم، المقاتلين، معنوياً، مادياً، إعلامياً المرجعية، الدينية، العليا، الزائرين، كربلاء، مصير، العراق، المنطقة سوريا الفيفا، نقل، مباراة، السعودية، فلسطين قطر الاتحاد الأوربي، عقوبات، روسيا المرجعية، الدينية، العليا، الالتزام ، مستحقات، الحشد الشعبي، تكريم، شهدائه المرجعية، الدينية، العليا، توصيات، الحشد الشعبي، تدين، قتل، المصريين، الاقباط، داعش المرجعية، الدينية، العليا، الاصلاحات، تفرد المرجعية، الدينية، العليا، السياسيين، الخلافات، الازمة